( وال – تقرير خاص ) : الكتاب الورقي بين مواجهة التحول الرقمي ومستقبل القراءة .
وكالة الأنباء الليبية -

 إعداد: هدى الشيخي

بنغازي 26 يناير 2026 م (وال) – أظهرت تقارير حديثة لليونسكو واتحاد الناشرين الدوليين أن سوق الكتاب العالمي يشهد تحولا مزدوجا، إذ بلغت مبيعات النشر الرقمي نحو ( 23 ) في المائة عالميا، مقابل استمرار هيمنة الكتاب الورقي بنسبة تفوق ( 70 ) في المائة، ما يظهر جدلا متصاعدا حول مستقبل القراءة وأشكالها.

- تحولات المشهد الثقافي

لا يزال الكتاب الورقي يثير نقاشا واسعا داخل الأوساط الثقافية والفكرية، في ظل التسارع الرقمي الذي أعاد تشكيل عادات القراءة وأنماط تلقي المعرفة ، فبينما يرى البعض أن الوسائط الإلكترونية وفرت سهولة الوصول وسرعة التداول وخففت من كلفة الإنتاج، يتمسك آخرون بالكتاب المطبوع بوصفه حاضنا معرفيا يحمل قيمة رمزية وتجربة حسية لا يمكن تعويضها.

فهذا الجدل لا ينحصر في المقارنة التقنية، بل يمتد إلى معنى القراءة ذاته، ودورها في بناء الوعي، ومدى تأثير الوسيط على عمق التفاعل مع النص ، ففي المجتمعات التي ما زالت تعاني من تحديات البنية التحتية الرقمية، يبقى الكتاب الورقي عنصرا أكثر استقرارا وأمانا في تداول المعرفة، ما يجعله جزءًا من الهوية الثقافية لا مجرد أداة قراءة.

 – مواقف الناشرين

يرى المكلف بتسيير النقابة العامة للناشرين الليبيين، محمد الجروشي، أن الكتاب الرقمي فرض حضوره بقوة خلال السنوات الأخيرة، لكنه لم يصل إلى مرحلة إلغاء الكتاب الورقي.

ويوضح أن شريحة معتبرة من القراء لا تزال تفضل النسخة المطبوعة لما توفره من إحساس بالملموس وعلاقة مباشرة مع النص، في مقابل فئة أخرى تعتمد النسخ الإلكترونية لسهولة الوصول وسرعة البحث.

ويشير الجروشي إلى أن النشر الرقمي أصبح داعمًا للبحث الأكاديمي، وليس خصما للكتاب الورقي، معتبرا أن مستقبل النشر يتجه نحو التكامل بين الصيغتين، لا الصراع بينهما، خاصة في ظل تنوع احتياجات القرّاء واختلاف مستوياتهم المعرفية.

- تحديات دور النشر

من جانبها، تؤكد جيهان إسماعيل، المدير التنفيذي لدار جين للطباعة والنشر، أن الإقبال المتزايد من فئة الشباب على الكتب الإلكترونية أثر بشكل مباشر على مبيعات الكتاب الورقي، وفرض على دور النشر مراجعة سياساتها التسويقية.

وأوضحت أن بعض الدور اتجهت إلى تخفيض أسعار الكتب المطبوعة أو تحسين جودة الإخراج الفني لجذب القراء، في محاولة للتكيف مع الواقع الجديد. وترى إسماعيل أن الكتاب الورقي لا يزال يحتفظ بمصداقية أعلى لدى الباحثين والدارسين، خاصة في ما يتعلق بالمراجع العلمية، معتبرة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الوسيط، بل في تشجيع ثقافة القراءة نفسها وسط التحولات الرقمية المتسارعة.

- الأرقام تحسم الجدل

تعزز الإحصاءات العالمية حضور الكتاب الورقي رغم الانتشار الواسع للأجهزة الذكية. فبحسب تقديرات متخصصة، من المتوقع أن يبلغ عدد قراء الكتب الورقية نحو 1.9 مليار شخص بحلول عام 2027، مقابل حوالي 1.2 مليار قارئ للكتب الإلكترونية.

وتُظهر بيانات الأسواق أن آسيا تتصدر معدلات القراءة الورقية بنسبة تقارب 85 في المائة، مقابل 15 في المائة للرقمية، فيما تبلغ النسبة في أمريكا الشمالية نحو 65 في المائة للورقي، و35 في المائة للإلكتروني، وتتجاوز في أوروبا 55 في المائة لصالح الكتاب المطبوع.

كما تشير دراسات إلى أن نحو 37 في المائة من البالغين يقرأون الكتب الورقية فقط، مقابل 7 في المائة يقتصرون على القراءة الرقمية، مع شريحة واسعة تمزج بين النمطين.

وفي هذا السياق، يرى مؤلف كتاب «الضحك والإضحاك» ميلود العمراني أن العلاقة الوجدانية بالكتاب الورقي ستبقى قائمة، خاصة في المجتمع الليبي، مؤكدا أن زواله أمر غير واقعي ما دامت القراءة جزءا من الذاكرة الثقافية.

وفي ظل هذا التحول المتسارع، يظل الكتاب الورقي حاضرا كرافد أساسي للمعرفة، إلى جانب الوسائط الرقمية، في علاقة لا تقوم على الإلغاء بل على التكامل، حيث تتنوع سبل القراءة، وتبقى قيمة الكتاب مرهونة بقدرة المجتمعات على صون ثقافة القراءة وتعزيزها واستدامتها المعرفية المستمرة.

  ( وال)



إقرأ المزيد