توسع الحرب التجارية يهدد السياحة الأميركية.. والإنفاق السياحي يفقد 18 مليار دولار
جريدة الرياض -

أظهرت أحدث المؤشرات والبيانات السياحية عن تراجع كبير في أعداد السياح القادمين إلى الولايات المتحدة، مما يهدد بفقدان الخزانة الفيدرالية مليارات الدولارات، حيث تعد الولايات المتحدة من بين أكثر ثلاث دول زيارةً في العالم، وقد جذبت معالمها السياحية البارزة في مدن مثل: سان فرانسيسكو ونيويورك وشيكاغو، بالإضافة إلى حدائق وطنية مثل: يوسمايت، سياحًا دوليين لعقود، حيث استقبلت حوالي 70 مليون زائر في عام 2024، لكن الكثير تغير في الأشهر الأخيرة، وقد لا تكون أرقام عام 2025 قوية بالقدر نفسه. وحتى ندرك أهمية القطاع، تشير أرقام عام 2024، إلى أن قطاع السفر يدعم 15 مليون عامل أميركي، ويوظف بشكل مباشر ثمانية ملايين شخص، وفي عام 2025، لا تزال هناك مليون وظيفة شاغرة.

أدت إعادة انتخاب ترمب رئيسًا للولايات المتحدة، وما تبعها من تغييرات في الدبلوماسية والعلاقات الخارجية، إلى جانب التحولات الثقافية الداخلية، إلى تغير المواقف العالمية تجاه الولايات المتحدة، وهي مواقف تؤثر قطعاً على رغبة السياح في زيارتها، ويشير تقرير حديث صادر عن شركة أبحاث "اقتصاديات السياحة"، إلى أنه من المتوقع أن ينخفض ​​السفر الوافد إلى الولايات المتحدة بنسبة 5.5 % هذا العام، بدلاً من نموه بنحو 9 % كما كان متوقعًا سابقًاً، وقد يؤدي تصعيد إضافي في حروب التعريفات الجمركية والتجارة إلى انخفاض إضافي في السياحة الدولية، مما قد يصل إلى انخفاض سنوي في الإنفاق السياحي قدره 18 مليار دولار في عام 2025.

هناك بالفعل بعض الدلائل على إلغاء رحلات السفر، فمنذ أن أعلن ترمب فرض رسوم جمركية بنسبة 25 % على العديد من السلع الكندية، انخفض عدد الكنديين الذين يعبرون الحدود بسياراتهم عند بعض المعابر بنسبة تصل إلى 45 % في بعض الأيام، مقارنةً بالعام الماضي، وتُعدّ كندا أكبر مصدر للسياح الدوليين إلى الولايات المتحدة، وقد أعلنت شركة طيران كندا أنها خفضت رحلاتها في مارس المنصرم إلى بعض وجهات العطلات الأميركية، بما في ذلك لاس فيغاس، نظرًا لانخفاض الطلب.

بحسب استطلاع رأي أجرته شركة أبحاث السوق الكندية "ليجر" في مارس، فقد ألغى 36 % من الكنديين رحلاتهم بالفعل إلى الولايات المتحدة، ووفقًا لبيانات شركة تحليلات الطيران "أو إيه جي"، فقد تدهورت حجوزات الركاب على الرحلات الجوية من كندا إلى الولايات المتحدة بأكثر من 70 % مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، ويأتي هذا بعد أن حذرت جمعية السفر الأميركية من أن انخفاضًا بنسبة 10 % فقط في السفر الكندي القادم قد يؤدي إلى خسارة في الإنفاق قدرها 2.1 مليار دولار، مما يُعرّض 140 ألف وظيفة في قطاع الضيافة للخطر، وقد تشهد الولايات الخمس الأكثر زيارة من قبل الكنديين، فلوريدا وكاليفورنيا ونيفادا ونيويورك وتكساس، انخفاضًا في عائدات البيع بالتجزئة والضيافة، حيث يعد التسوق النشاط الترفيهي الأول للزوار الكنديين.

بيئة غير مرحبة

أشار بعض الراغبين في زيارة الولايات المتحدة إلى مناخ سياسي غير مُرحّب به، كجزء من مخاوفهم بشأن زيارتهم، بما في ذلك الخطاب الغاضب تجاه الأجانب والمهاجرين، كما أشار تقرير اقتصاديات السياحة إلى "سياسات وخطابات إدارة ترامب المُثيرة للاستقطاب" كعامل في إلغاء الرحلات، بالإضافة إلى ذلك، هناك عوامل أخرى تؤثر على المسافرين من أوروبا الغربية، والتي مثلت 37 % من إجمالي السفر الخارجي إلى الولايات المتحدة في عام 2024، وتشمل هذه العوامل الرسوم الجمركية الأميركية التي رفعت الأسعار محليًا، والانحياز المفترض للإدارة الأميركية في الحرب الروسية الأوكرانية.

ويظهر بحث أجرته مؤسسة يوجوف في مارس، أن مواقف أوروبا الغربية تجاه الولايات المتحدة أصبحت أكثر سلبية منذ إعادة انتخاب ترمب في نوفمبر الماضي، ويشير أكثر من نصف سكان بريطانيا (53 %)، وألمانيا (56 %)، والسويد (63 %)، والدنمارك (74 %) إلى أن لديهم الآن رأي سلبي تجاه الولايات المتحدة، وفي خمس من الدول السبع التي شملها الاستطلاع، وصلت نسبة التأييد للولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ بدء الاستطلاعات في نوفمبر 2016، وتُدر السياحة الأوروبية إلى الولايات المتحدة عائدات سنوية تُقدر بـ 155 مليار دولار، وفقًا لبيانات الاتحاد الأوروبي، وقد ظهرت أولى علامات التراجع في فبراير، بنسبة انخفاض قدرها 1 % مقارنةً بالعام السابق، والتراجع أشد حدةً في مارس، حيث قامت العديد من الدول بتحديث تحذيرات السفر أو أصدرت تحذيرات لمواطنيها بشأن زيارة الولايات المتحدة، وعلى سبيل المثال، حذّرت وزارة الخارجية النرويجية المسافرين قائلةً: "نظام ESTA الإلكتروني لتصاريح السفر أو التأشيرة لا يضمن الدخول. تتخذ سلطات الهجرة القرار النهائي عند الوصول. ولا يمكن للسلطات النرويجية التدخل في هذا القرار".

تشير تقارير عديدة إلى أن وكالات السفر الأوروبية تلاحظ تراجعًا في الاهتمام بالرحلات إلى الولايات المتحدة، وتراجعًا في عمليات البحث عن رحلات عبر المحيط الأطلسي، ويُعد المناخ السياسي العامل الرئيس الرادع، إلا أن ارتفاع قيمة الدولار الأميركي، الذي زاد من تكلفة السفر، يُعدّ عاملًا مؤثرًا أيضاً، وتُبرز البيانات التاريخية كيف تؤثر التوترات التجارية والجيوسياسية على الطلب السياحي، وخلال النزاع التجاري السابق بين الولايات المتحدة والصين في عهد ترمب الأول، انخفضت حصة الولايات المتحدة من سوق السياحة الصينية بشكل ملحوظ.

قضايا الحدود

تُثني بعض القضايا البارزة على الحدود الأميركية السياح عن زيارة الولايات المتحدة، ففي مارس الماضي، احتُجزت امرأة بريطانية مكبلة اليدين لأكثر من عشرة أيام من قِبل سلطات الجمارك الأميركية بعد مشكلة في التأشيرة، وفي الشهر نفسه، احتُجزت سائحة كندية بعد محاولتها تجديد تأشيرتها على الحدود الأميركية المكسيكية، وخلال فترة الاحتجاز التي استمرت 12 يومًا، احتُجزت في زنزانات مكتظة، بل وكُبلت بالسلاسل، وتُعتبر المكسيك ثاني أكبر سوق للسفر الوافد إلى الولايات المتحدة، وتشير اقتصاديات السياحة إلى أن القضايا المتعلقة بقواعد إنفاذ الحدود الجديدة ستثير مخاوف السياح المكسيكيين المحتملين، وخلال ولاية ترمب الأولى، انخفضت زيارات المكسيكيين إلى الولايات المتحدة بنسبة 3 %، وفي فبراير الماضي، انخفض السفر الجوي من المكسيك بنسبة 6 % مقارنةً بعام 2024.

في 15 مارس الماضي، قامت العديد من الدول، بما فيها كندا، بتحديث نصائحها المتعلقة بالسفر إلى الولايات المتحدة، وعلى سبيل المثال، حدّثت وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث البريطانية نصائحها المتعلقة بالسفر إلى الولايات المتحدة، محذّرةً الزائرين من "احتمال تعرضهم للاعتقال أو الاحتجاز في حال مخالفة القواعد"، وكانت النسخة السابقة من النصائح، الصادرة في فبراير، قد خلت من أي ذكر للاعتقال أو الاحتجاز.

من جهة أخرى، أجرت ألمانيا تحديثات مماثلة لنصائحها المتعلقة بالسفر، بعد احتجاز عدة ألمان مؤخرًا لأسابيع من قبل مسؤولي الحدود الأميركيين، بينما أصدرت دول أوروبية عديدة، منها: فرنسا وألمانيا والدنمارك والنرويج، تحذيرات سفر خاصة للمواطنين المتحولين جنسيًا، إذ تُلزم السلطات الأميركية السياح بالتصريح عن جنسهم البيولوجي عند الولادة عند تقديم طلبات التأشيرة، ويأتي هذا في الوقت الذي أوقفت فيه الولايات المتحدة إصدار جوازات سفر تحمل علامة X - التي يستخدمها عادةً من يُعرّفون أنفسهم بأنهم غير ثنائيين لمواطنيها.

وجهات بديلة

مع إلغاء آلاف المسافرين رحلاتهم إلى الولايات المتحدة، تشهد وجهات أخرى اهتمامًا متزايدًا، وأفادت فنادق برمودا بارتفاع في الاستفسارات مع انتقال الكنديين إلى وجهات أخرى، سواءً للعمل أو الترفيه، بعيدًا عن الولايات المتحدة، حيث يتوقع البعض زيادة في الإيرادات بنسبة 20 % من الزيارات إلى كندا، كما شهدت أوروبا زيادة في الحجوزات من كندا، حيث شهدت العقارات الإيجارية ارتفاعًا بنسبة 32 % في حجوزات الصيف مقارنة بالعام الماضي.

هناك بالفعل مخاوف متزايدة من أن قيود التأشيرات والدخول ستمنع المشجعين والرياضيين من الاستمتاع بكأس العالم لكرة القدم عام 2026، التي تُقام في مواقع في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وقد ينتظر زوار بعض الدول، مثل: البرازيل وتركيا وكولومبيا، ما يصل إلى 700 يوم للحصول على تأشيرات، كما أعربت اللجنة الأولمبية الدولية عن مخاوفها بشأن دورة الألعاب الأولمبية 2028 في لوس أنجلوس، على الرغم من إصرار المسؤولين الأميركيين على أن "أميركا ستكون منفتحة"، ومع تزايد تأخيرات التأشيرات، وتشديد إجراءات الحدود، وتزايد المخاوف بشأن الخطاب المناهض للأقليات، تُخاطر الولايات المتحدة بفقدان جاذبيتها كوجهة سياحية رئيسة.

تحليل - د. خالد رمضان


إقرأ المزيد