تعقيدات تصعب كشف أنشطة التداول غير القانونية بأسواق النفط
جريدة الرياض -

بلغت قيمة صفقات النفط وأسواق التنبؤات، التي اتسمت بتوقيت دقيق ومريب، والمرتبطة بالنزاع الإيراني الأمريكي، حوالي 7 مليارات دولار، حيث نفّذ المتداولون أوامر بيع ضخمة في عقود خام برنت، وخام غرب تكساس الوسيط، والبنزين، والديزل الآجلة، قبيل إعلان وقف إطلاق النار، وتأجيل الضربات، وإعادة فتح مضيق هرمز، حيث أفادت بعض التقارير بتحقيق بعض الحسابات نسب ربح تصل إلى 93 %، بحسب موقع أويل برايس.

يشتبه المشرعون والمحللون في وجود تسريبات من مصادر داخلية، إلا أن تحقيقات وزارة العدل وهيئة تداول السلع الآجلة تواجه تحديات، إذ تُصعّب أسواق التنبؤات ومنصات المراهنات الرقمية عملية كشف أنشطة التداول غير القانونية.

في الشهر الماضي، أفادت مصادر بأن أكثر من مليار دولار من الرهانات "المُحكمة التوقيت"، التي شملت أسواق العقود الآجلة التقليدية للنفط وأسواق التنبؤ الرقمية، توقعت بدقة تحولات عسكرية ودبلوماسية هامة مرتبطة بتطورات الحرب الإيرانية الأمريكية قبل دقائق من إعلانها رسميًا، مما أثار شكوكًا كبيرة حول التداول بناءً على معلومات داخلية.

وقد تم إنشاء العديد من الحسابات المشبوهة حديثًا، واقتصرت عمليات التداول فيها على أحداث محددة متعلقة بإيران، بنسبة نجاح تصل إلى 93 %. والآن، صدرت الأرقام النهائية، وقد يكون التقرير الأولي مجرد غيض من فيض. فبينما ركزت التقارير السابقة على عقود خام بقيمة 2.6 مليار دولار تقريبًا للشهر الأول، كشفت تقارير أن إجمالي الرهانات، بما في ذلك الرهانات على خام برنت، وخام غرب تكساس الوسيط، والديزل الأوروبي، والبنزين الأمريكي، بلغ 7 مليارات دولار. نُفذت هذه الرهانات الضخمة بكميات كبيرة في أربعة أيام محددة، غالبًا قبل 15 إلى 20 دقيقة من الإعلانات التي أدت إلى انخفاضات كبيرة في أسعار النفط.

نُفذت أول صفقة ضخمة في 23 مارس حوالي الساعة 10:49-10:50 بتوقيت غرينتش، أي قبل نحو 15-20 دقيقة من إعلان الرئيس ترامب على منصة "تروث سوشيال" في تمام الساعة 11:05 بتوقيت غرينتش، والذي أعلن فيه تأجيل الضربات المخطط لها على البنية التحتية للطاقة والكهرباء الإيرانية.

وجاء هذا الإعلان عقب فترة من التقلبات الحادة في مضيق هرمز، وكان الهدف من التأجيل إتاحة المجال للمفاوضات. ووفقًا لبيانات مجموعة بورصة لندن، نفّذ المتداولون صفقات على 20 ألف عقد من عقود خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط الآجلة، بالإضافة إلى عقود آجلة أخرى للبنزين والديزل، بقيمة إجمالية تقارب 2.2 مليار دولار.

وأدى هذا الإعلان إلى انهيار أسعار النفط، حيث انخفضت أسعار العقود الآجلة للخام بنسبة تصل إلى 15%، مسجلةً بذلك أحد أكبر الانخفاضات خلال يوم واحد على الإطلاق. جرت الصفقة الرئيسية الثانية في 7 أبريل، حيث تم تنفيذ أوامر بيع على عقود النفط والبنزين الآجلة بقيمة إجمالية تقارب 2.12 مليار دولار في دقيقة واحدة، قبيل إعلان مفاجئ عن وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران. وقد تمت هذه الصفقات في وقت كان فيه السوق في مرحلة انخفاض حجم التداول بعد التسوية، حيث انخفضت أسعار العقود الآجلة للنفط الخام بنحو 15% إلى أقل من 100 دولار للبرميل مع بداية جلسة التداول التالية، أما الصفقة الثالثة، فقد تمت في 17 أبريل، حيث تم بيع عقود نفط آجلة بقيمة تقارب ملياري دولار، أي ما يعادل حوالي 7990 عقدًا من خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط والبنزين، بين الساعة 12:24 و12:25 بتوقيت غرينتش، وذلك قبل دقائق من إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن مضيق هرمز "مفتوح بالكامل" أمام حركة الملاحة التجارية.

تراجعات مفاجئة

لم يكن مفاجئًا انخفاض أسعار النفط الخام، حيث تراجع خام برنت بنحو 9-10 % إلى ما يقارب 88-90 دولارًا للبرميل، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 11-12 % إلى حوالي 82-83 دولارًا للبرميل. وتم تنفيذ الصفقة الأخيرة في 21 أبريل، حيث بيعت عقود آجلة للنفط (برنت وغرب تكساس الوسيط) بقيمة 830 مليون دولار تقريبًا في صفقة ضخمة ومُحكمة التوقيت، وذلك قبل 15 دقيقة من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران إلى أجل غير مسمى.

وجرت الصفقات بين الساعة 19:54 و19:56 بتوقيت غرينتش، قبل وقت قصير من إعلان الساعة 20:10 بتوقيت غرينتش. وكما في الصفقات السابقة، تمت عمليات البيع خلال الساعات التي تلت التسوية بعد الساعة 18:30 بتوقيت غرينتش، وهي الفترة التي يكون فيها السيولة منخفضة عادةً، مما يجعل هذا الحجم الكبير من البيع أمرًا غير معتاد. وبينما كانت أسعار النفط في اتجاه هبوطي وقت إعلان ترامب للخبر، شهد خام برنت انخفاضًا فوريًا عقب هذا الإعلان تحديدًا.

مع ذلك، يُحتمل أن تكون عمليات تداول أسعار النفط المشبوهة المرتبطة بالحرب في إيران قد بدأت قبل أسابيع. سبق أن أفادت مصادر بتدفق غير معتاد لنحو 150 حسابًا على منصة "بولي ماركت"، حيث وضعوا مئات الرهانات التي بلغ مجموعها أكثر من 855 ألف دولار، متوقعين بدقة ليلة 27 فبراير أن الولايات المتحدة ستشن ضربة على إيران خلال 24 ساعة. وقد حددت شركة التحليلات "بابل مابس" أن العديد من هذه الحسابات أُنشئت حديثًا في فبراير، وركزت تحديدًا على التنبؤ بالضربات الأمريكية على إيران. وحوّل مستخدم مجهول الهوية، يُعرف باسم "ماغامي مان"، استثمارًا أوليًا قدره 87 ألف دولار إلى أكثر من 533 ألف دولار، من خلال المراهنة على "إقالة" المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي قبل 71 دقيقة فقط من إعلان نبأ الضربات.

وقد أشار محللون ومشرعون، بمن فيهم السيناتور إليزابيث وارين، إلى أن هذه التداولات يُرجح أنها ناتجة عن تسريبات من مصادر داخلية، بينما توجد تقارير تفيد بأن وزارة العدل الأمريكية، وهيئة تداول السلع الآجلة تجريان تحقيقاتٍ مكثفة حول ما إذا كان المتداولون قد حصلوا بطريقة غير مشروعة على معلومات غير عامة تتعلق بالتطورات العسكرية والدبلوماسية، إلا أن محاولة كبح هذه الممارسات غير القانونية قد تكون مضيعة للوقت.

وأعرب كريغ هولمان، وهو مُمارس ضغط في الشؤون الحكومية لدى منظمة "ببليك سيتيزن"، عن شكوكٍ كبيرة بشأن قدرة هيئة تداول السلع الآجلة أو رغبتها في التحقيق، مُشيرًا إلى استقالاتٍ كبيرة لضباط التحقيق، بينما انخفض مستوى إنفاذ القانون في مكتبها الرئيسي في شيكاغو إلى الصفر.

بالإضافة إلى ذلك، حذّر خبراء السوق من أن ازدهار أسواق التنبؤ عبر الإنترنت والمراهنات الرقمية، إلى جانب التعريفات القانونية المُعقدة، يُصعّب بشكلٍ كبير اكتشاف التداول بناءً على معلومات داخلية. تسمح منصات مثل "بولي ماركت" و"كالشي" للمستخدمين بالمراهنة على أحداثٍ واقعية، مما يؤدي إلى حالاتٍ يُمكن فيها لأفرادٍ يمتلكون معلوماتٍ جوهرية غير عامة إجراء صفقاتٍ كبيرة ومربحة قبل وقتٍ قصير من انتشار الأخبار.



إقرأ المزيد