من البيانات إلى الاستثمار.. المملكة تتقدم في سباق الذكاء الاصطناعي
جريدة الرياض -

كشف تقرير حديث، ارتفاع مساهمة الاقتصاد الرقمي في المملكة العربية السعودية إلى 16% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما بلغ حجم سوق الاتصالات وتقنية المعلومات ما يعادل 199 مليار ريال في عام 2025، كما حققت المملكة المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر نضج الحكومة الرقمية لعام 2025 الصادر عن مجموعة البنك الدولي.

ووفقاً لتقرير التنمية في العالم 2026 الصادر عن مجموعة البنك الدولي تحت عنوان "وعد الذكاء الاصطناعي"؛ فإن تحولات متسارعة يشهدها الاقتصاد العالمي بفعل التطور المتنامي في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وما تفرضه هذه التقنيات من إعادة صياغة لمفاهيم الإنتاج والاستثمار والخدمات والتنمية، يواكب هذا الحضور نمو قاعدة القدرات الوطنية، إذ ارتفع عدد القوى العاملة التقنية في المملكة إلى نحو 426 ألفاً، محققاً نمواً تراكمياً بنسبة 186.6% مقارنة بعام 2018، عندما بلغ عددها 150 ألفاً، فيما ارتفعت مشاركة المرأة في مهن الاتصالات وتقنية المعلومات إلى 35%؛ بما يعزز تنوع المواهب واتساع قاعدة الكفاءات الداعمة للاقتصاد القائم على التقنية والابتكار.

وفي خضم هذه التحولات، تبرز المملكة كإحدى الدول التي تمكنت من بناء حضور متقدم في منظومة الذكاء الاصطناعي عالمياً، حيث صنفها التقرير ضمن أكبر عشر دول في العالم من حيث الاستثمارات الخاصة في هذا المجال، كما أشار إلى جاذبيتها المتزايدة للكفاءات والخبرات المتخصصة، وما تتمتع به من مقومات تعزز قدرتها على الاستفادة من الفرص التي يتيحها الاقتصاد الجديد القائم على البيانات والتقنيات المتقدمة.

ولا ينفصل هذا الحضور عن التحولات التي شهدتها المملكة خلال السنوات الماضية، في ظل مسار تنموي واسع تقوده رؤية السعودية 2030، التي أرست إطاراً متكاملاً لتطوير الاقتصاد الوطني، ووضعت التقنية والابتكار والبيانات في صميم عملية التحول الاقتصادي. فقد اتجهت المملكة إلى تأسيس بيئة متقدمة تدعم نمو الذكاء الاصطناعي، من خلال تطوير البنية التحتية الرقمية، وتوسيع قدرات الحوسبة، وتعزيز منظومة البيانات، والاستثمار في الكفاءات البشرية، واستقطاب المواهب والخبرات المتخصصة، إلى جانب تطوير الأطر التنظيمية التي تواكب طبيعة هذه التقنيات وتدعم نمو الاستثمارات والابتكار المرتبط بها.

ويشير ما أورده تقرير البنك الدولي إلى أن التجربة السعودية في الذكاء الاصطناعي تقوم على منظومة واسعة تتجاوز مجرد تبني التطبيقات التقنية، لتشمل بناء المقومات التي يحتاجها الاقتصاد للاستفادة من هذه التقنيات على المدى الطويل. فالمملكة تعمل على تطوير قدراتها في مجالات البيانات والحوسبة والبنية التحتية الرقمية، بالتوازي مع تأهيل الكفاءات وتوسيع قاعدة المهارات المتخصصة، وتهيئة بيئة أعمال قادرة على جذب الاستثمارات والمواهب، فضلاً عن توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الخدمات ورفع كفاءة القطاعات الاقتصادية والحكومية، بما يجعل التقنية جزءاً من مسار التحول الاقتصادي وليس مجرد أداة مساندة له.

ويعكس هذا التوجه إدراكاً مبكراً لأهمية البيانات باعتبارها أحد أهم الأصول في الاقتصاد الرقمي، وللقدرات الحوسبية باعتبارها عنصراً أساسياً في تطوير وتطبيق نماذج الذكاء الاصطناعي. ومن هنا جاء التركيز على بناء منظومة وطنية مترابطة تجمع البيانات والتقنيات والبنية التحتية والكوادر البشرية والاستثمار، بما يسمح بتوسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي وتحويله من تقنيات متخصصة إلى عنصر مؤثر في مختلف مجالات الاقتصاد والمجتمع.

وفي محور التمركز، الذي يرصد تمركز البنية المتقدمة للذكاء الاصطناعي والاستثمارات المرتبطة بها؛ أشار التقرير إلى أن المملكة تجمع بين الحوافز الضريبية والمناطق الاقتصادية الخاصة لاستقطاب الاستثمارات في مراكز البيانات وبناء قدرات الحوسبة، في نهج وطني يربط جذب رأس المال بتطوير منظومة تشمل الكفاءات والشركات الناشئة والطاقة والبنية التحتية اللازمة لنمو تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتتوافق هذه الإشارة مع النمو المتسارع في البنية التحتية الرقمية بالمملكة، إذ ارتفعت سعة مراكز البيانات من 68 ميجاوات في عام 2021 إلى 440 ميجاوات في عام 2025، ثم واصلت نموها لتبلغ 467 ميجاوات خلال الربع الأول من عام 2026، بزيادة تجاوزت 6% منذ بداية العام، وبما يقارب سبعة أضعاف مقارنة بعام 2021، كما بلغت تغطية شبكات الجيل الرابع والخامس 99% بنهاية عام 2025، ووصل متوسط سرعة الإنترنت إلى 216 ميجابت في الثانية، وهي ممكنات تدعم التوسع في الخدمات السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وفي محور القدرات، أبرز التقرير قدرة المملكة على جذب الكفاءات المتخصصة، موضحاً أنها جاءت في عام 2025 ضمن الاقتصادات التي سجلت أعلى صافي تدفق للعاملين في الذكاء الاصطناعي لكل 10 آلاف عضو على منصة "لينكدإن"، إلى جانب لوكسمبورغ وأستراليا وسويسرا، كما سجلت المملكة صافي تدفق بلغ 3.08 ضمن فئة أبرز مؤلفي ومبتكري الذكاء الاصطناعي في العام نفسه، في نتيجة تعكس تسارع جاذبية البيئة التقنية السعودية للخبرات النوعية. وفي الجانب الاستثماري، تعكس الإشارة إلى وجود المملكة ضمن أكبر عشر دول عالمياً في الاستثمار الخاص بالذكاء الاصطناعي تنامي جاذبية السوق السعودية أمام الشركات والمستثمرين العاملين في هذا المجال. ولا ترتبط هذه الجاذبية بحجم الفرص الاستثمارية فحسب، بل تمتد إلى ما توفره المملكة من بنية تحتية رقمية، وقدرات حوسبية، وبيئة تنظيمية، ومشروعات وطنية واسعة، إلى جانب الطلب المتزايد على حلول الذكاء الاصطناعي في قطاعات متعددة. وتوفر هذه العناصر مجتمعة قاعدة يمكن أن تسهم في توسيع نطاق الاستثمارات الخاصة وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في بناء اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

ومن هذه الزاوية، تكتسب تجربة المملكة أهمية خاصة، كونها تتحرك في هذه المسارات بصورة متزامنة، عبر الاستثمار في البنية التحتية والقدرات الرقمية، وتطوير منظومة البيانات، وتنمية المواهب، وتحفيز القطاع الخاص، وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة في الاقتصاد والخدمات؛ وهو ما يعزز قدرة المملكة على الانتقال من مرحلة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة المشاركة الفاعلة في تطوير منظومته وتشكيل اقتصاده، بما يتوافق مع مستهدفاتها طويلة المدى في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة عالمياً.

ويؤكد الحضور الذي سجلته المملكة في تقرير البنك الدولي أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من مشروع اقتصادي وتنموي أشمل، يستهدف بناء قدرات وطنية مستدامة وتطوير بيئة قادرة على جذب رؤوس الأموال والمواهب والتقنيات، والاستفادة من البيانات في رفع كفاءة القطاعات وتحسين الخدمات. ومع استمرار هذا المسار، تتعزز مكانة المملكة بوصفها إحدى الدول الصاعدة بقوة في المشهد العالمي للذكاء الاصطناعي، ليس فقط من خلال حجم الاستثمارات، وإنما عبر بناء منظومة متكاملة تجمع بين رأس المال والبنية التحتية والبيانات والكفاءات والتنظيم، بما يدعم توجهها نحو ترسيخ موقعها مركزاً عالمياً للبيانات والذكاء الاصطناعي.



إقرأ المزيد