اقتصاد الانتباه.. المعركة الجديدة على عوائد الإعلام
جريدة الرياض -

تختصر رقمان جانباً مهماً من التحول الجاري في صناعة الإعلام؛ إذ يُتوقع أن ترتفع إيرادات قطاع الإعلام والترفيه عالمياً إلى نحو 4.2 تريليون دولار بحلول عام 2030، في وقت يتجه قرابة 80% من الإنفاق الإعلاني إلى البحث المدفوع ومنصات التواصل الاجتماعي وإعلانات التجارة والتجزئة الرقمية. وبين نمو السوق وتركز العوائد، تواجه المؤسسات الإعلامية التقليدية معادلة أكثر تعقيداً: المحتوى لا يزال مطلوباً، لكن الجهة التي تنتجه لا تحصل بالضرورة على الحصة الأكبر من قيمته الاقتصادية.

ويشير تقرير "التوقعات العالمية للإعلام والترفيه 2026 - 2030" الصادرة عن "PwC" إلى ارتفاع حجم السوق من نحو 3.5 تريليون دولار في 2025 إلى 4.2 تريليون دولار في 2030، فيما يتوقع أن يرتفع الإنفاق الإعلاني من أكثر من تريليون دولار إلى نحو 1.4 تريليون دولار، على أن تأتي غالبية الإيرادات الجديدة من المنظومات الرقمية.

إلا أن هذه السوق تشمل التلفزيون والبث الرقمي والألعاب والموسيقى والسينما والإعلان والصحافة وغيرها، فيما تكشف قراءة قطاع الأخبار تحديداً أن الجزء الأكبر من النمو لا يتجه بالضرورة إلى المؤسسات المنتجة للمحتوى الصحفي.

المنصات تستحوذ على الإعلان

تتوقع "WARC"، المتخصصة في أبحاث الإنفاق الإعلاني وفاعلية التسويق، أن يبلغ الإنفاق الإعلاني العالمي 1.3 تريليون دولار في 2026، بنمو 9.1 %. إلا أن قرابة أربعة أخماس هذا الإنفاق تتجه إلى البحث المدفوع، ومنصات التواصل الاجتماعي، وإعلانات التجزئة الرقمية "Retail Media"، لتتنافس بقية وسائل الإعلام على نحو خمس السوق.

ويزداد تركز السوق مع توقع استحواذ "Alphabet" المالكة لـ"Google"، و"Amazon"، و"Meta" المالكة لـ"Facebook" و"Instagram"، مجتمعة على نحو 58% من الإنفاق الإعلاني العالمي خارج الصين خلال 2026.ولا يتعلق التحول بالجهة التي تحصل على الإعلان فقط، بل بطريقة تخطيطه وقياسه، ففي تقرير "The Future of Media 2026"، تشير "WARC" إلى انتقال السوق من التخطيط الإعلامي التقليدي إلى "التخطيط بالنظم"، حيث تعمل القنوات ضمن منظومة واحدة تتغير وفق البيانات وسلوك المستهلك، بدلاً من إدارة كل قناة وحملة بصورة شبه مستقلة.ويمنح هذا النموذج المنصات الرقمية ميزة إضافية، لكونها تجمع الاستهداف والبيانات والقياس والتحسين المستمر في بيئة واحدة، فالمعلن لم يعد يبحث عن مساحة إعلانية أو عدد مشاهدات فقط، بل يريد معرفة من شاهد الإعلان، وكيف تفاعل معه، وما النتيجة التي حققها.

وهنا يظهر التحول الأهم في اقتصاد الإعلام؛ فالمؤسسة الصحفية تتحمل تكلفة الصحفي والتحرير والتحقق والإنتاج، بينما قد تمتلك منصة أخرى الوصول إلى الجمهور وبياناته وأدوات استهدافه، وبذلك تنتقل القيمة تدريجياً من مجرد إنتاج المحتوى إلى امتلاك اللحظة التي يتحول فيها انتباه المستخدم إلى قيمة اقتصادية قابلة للقياس.

الإيرادات الصحفية تتنوع

يظهر هذا التغير في حسابات المؤسسات الصحفية. وبحسب تقرير "World Press Trends Outlook 2025 - 2026" الصادر عن "WAN-IFRA"، لا يزال الورق أكبر مصدر منفرد للدخل لدى المؤسسات المشمولة في التقرير، بنسبة 43.6% من إيرادات التوزيع والإعلان.في المقابل، أصبحت الإيرادات الرقمية والمصادر الأخرى تمثل 56.4% من الدخل، بينها 25.4% من الفعاليات والترخيص والأنشطة الجديدة، و17% من الإعلان الرقمي، مقابل 21.2% للإعلان الورقي.

وتشير الأرقام إلى أن الاعتماد على بيع النسخة والإعلان وحدهما لم يعد كافياً لبناء نموذج مالي مستدام، خصوصاً مع تراجع جمهور المطبوعات عالمياً من نحو 2.1 مليار شخص في 2017 إلى 1.4 مليار في 2025، وتوقع انخفاضه إلى 1.1 مليار بحلول 2030.

الجمهور يغير بوابة الأخبار

ولا يحل الانتقال من الورق إلى الموقع الإلكتروني المشكلة وحده، لأن طرق وصول الجمهور إلى الأخبار تتغير بدورها. ويكشف تقرير "Digital News Report 2026" الصادر عن "معهد رويترز لدراسة الصحافة" أن منصات التواصل الاجتماعي والفيديو أصبحت، للمرة الأولى، الطريق الأكثر استخداماً للوصول إلى الأخبار في الأسواق التي شملها البحث.ويستخدم 54% من المشاركين منصات التواصل والفيديو للوصول إلى الأخبار، مقابل 51% يستخدمون مواقع المؤسسات الإخبارية وتطبيقاتها، ومنذ 2020 فقدت المواقع والتطبيقات الإخبارية نحو 12 نقطة مئوية من معدلات الوصول، فيما أصبح جانب كبير من نمو الفيديو الإخباري يحدث داخل منصات لا تملكها المؤسسات الصحفية.ويمثل ذلك فارقاً اقتصادياً جوهرياً، فالمستخدم داخل تطبيق المؤسسة يمكن تسجيله وقياس اهتماماته والعمل على تحويله إلى مشترك، بينما يبقى متابع المحتوى عبر "TikTok" أو "YouTube" ضمن علاقة تسيطر المنصة على جزء أساسي منها. ومن هنا يبرز الفرق بين الوصول إلى الجمهور وامتلاك العلاقة المباشرة معه.

الذكاء الاصطناعي يغير مسار الزيارات

ويضيف الذكاء الاصطناعي تحدياً جديداً إلى منظومة التوزيع. فبعد سنوات استفادت خلالها المؤسسات من محركات البحث في إحالة المستخدمين إلى مواقعها، تتوقع القيادات الإعلامية تراجع هذا المصدر مع توسع محركات الإجابة التوليدية.وبحسب تقرير "اتجاهات الصحافة والإعلام والتقنية 2026" الصادر عن "معهد رويترز"، بعد استطلاع 280 قيادياً إعلامياً في 51 دولة ومنطقة، يتوقع الناشرون تراجع الزيارات القادمة من محركات البحث بنحو 43% خلال السنوات الثلاث المقبلة.وتظهر بيانات "Chartbeat" التي استعان بها التقرير أن زيارات "Google" العضوية لأكثر من 2500 موقع انخفضت بنحو الثلث بين نوفمبر 2024 ونوفمبر 2025.

ويعني ذلك أن المستخدم قد يحصل على خلاصة المعلومات داخل محرك مدعوم بالذكاء الاصطناعي من دون الانتقال إلى المؤسسة التي أنتجتها، فتفقد المؤسسة الزيارة وبيانات المستخدم والعائد الإعلاني المرتبط به.

وفي المقابل، تظهر معركة جديدة تتعلق بالظهور داخل إجابات الذكاء الاصطناعي نفسها، وترى "WARC" في تقرير لها أن تحسين محركات البحث "SEO" سيظل مهماً، لكنه يحتاج إلى التكامل مع تهيئة المحتوى لمحركات الإجابة التوليدية "GEO"، من خلال بناء المحتوى الواضح والمنظم، وتعزيز موثوقية المصدر، وتسهيل قراءة المواد وفهمها آلياً.

كما ظهر ترخيص المحتوى لشركات الذكاء الاصطناعي مساراً جديداً للإيرادات، وإن كانت توقعات الناشرين حياله محدودة؛ إذ يتوقع 20% فقط أن تصبح هذه الصفقات مصدراً كبيراً للدخل، مقابل 49% يرون أن مساهمتها ستكون محدودة، فيما لا يتوقع 20% أن تحقق دخلاً أساسياً.

الاشتراكات ليست حلاً منفرداً

أما الاشتراكات الرقمية، التي راهنت عليها مؤسسات إعلامية عديدة، فتواجه بدورها سقفاً واضحاً للنمو، ويشير تقرير "Digital News Report 2026" إلى استقرار نسبة من يدفعون مقابل الأخبار الإلكترونية عند نحو 17% في 20 سوقاً يتابع فيها التقرير اتجاهات الدفع بانتظام، فيما تتراوح النسبة في معظم الدول بين 10 و20 %.

ودفع ذلك المؤسسات إلى التركيز على استدامة المشترك بدلاً من الاكتفاء باستقطابه، من خلال رفع معدلات الاحتفاظ به وتوسيع المنتجات والخدمات المرتبطة بالاشتراك، وأصبحت النشرات والبودكاست والألعاب والبيانات والخدمات المتخصصة والمنتجات الجانبية جزءاً من النموذج الاقتصادي للمؤسسة الإعلامية، وليس مجرد نشاط موازٍ لغرفة الأخبار.

السعودية.. جمهور رقمي وسوق واعدة

في المملكة، تظهر المؤشرات بيئة متقدمة رقمياً. فبحسب "تقرير إنترنت السعودية 2025" الصادر عن "هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية"، بلغ انتشار الإنترنت 99.6 %، ويقضي 61.3% من المستخدمين سبع ساعات أو أكثر يومياً على الشبكة، فيما يستخدم 99.6% الهاتف المحمول للوصول إلى الإنترنت.

كما بلغت نسبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي 45.2 %، بأكثر من ضعف النسبة المسجلة في العام السابق، ما يعني أن التحدي أمام الإعلام السعودي لم يعد نقل الجمهور إلى البيئة الرقمية، بل بناء علاقة اقتصادية مباشرة معه داخل هذه البيئة.

وتتوقع "Strategy&"، التابعة لشبكة "PwC"، ارتفاع إيرادات سوق الإعلام والترفيه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى نحو 18 مليار دولار بحلول 2028، وأن يمثل القطاع الرقمي 74% من السوق، فيما يستحوذ الإعلان على 51% من الإيرادات. كما يُتوقع أن تمثل السعودية والإمارات معاً نحو 66% من إيرادات السوق الإقليمية.

وتوفر هذه المؤشرات فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية السعودية، لكنها لا تعني تلقائياً حصول المؤسسات الصحفية على حصة مماثلة من النمو. فالاستفادة ترتبط بتطوير المنتجات، ومعرفة الجمهور، وتنويع الإيرادات، وتقديم حلول إعلانية تستند إلى البيانات والاستهداف والقياس بدلاً من بيع المساحات وحدها.

وتزداد أهمية بيانات الطرف الأول والحسابات المسجلة للمستخدمين مع انتقال الإعلان إلى "التخطيط بالنظم". وقد تحقق مؤسسة ملايين المشاهدات على منصات خارجية، لكنها تظل أقل قدرة على تحقيق العائد من مؤسسة تعرف جمهورها مباشرة وتستطيع بناء منتجات وخدمات إعلانية حوله.

من التحول الرقمي إلى "اقتصاد العلاقة"

لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان الإعلام سيتحول إلى الرقمي؛ فهذا التحول تحقق إلى حد بعيد. السؤال الأهم يتعلق بمن يملك العلاقة مع المستخدم، ومن يستطيع تحويل الثقة والجمهور والبيانات إلى قيمة مستدامة.

وتظهر هذه الأولوية في استطلاع رويترز؛ إذ وضع 76% من الناشرين الاشتراكات والعضويات ضمن أولويات الإيرادات، مقابل 68% للإعلان الرقمي، و64% للإعلان المدمج والمحتوى التجاري، و54% للفعاليات، بينما رأى 37% أن الحصول على مقابل من المنصات لقاء استخدام المحتوى يمثل فرصة مهمة للنمو.

وتفرض هذه البيئة على المؤسسة الصحفية بناء جمهور مسجل، والاستفادة من بيانات الطرف الأول، وتطوير منتجات متخصصة تستحق الدفع، وربط الفيديو والصوت بنماذج إيرادية واضحة، وتوسيع الفعاليات والخدمات، وإدارة حقوق المحتوى وترخيصه بطريقة أكثر احترافية.كما يتغير مفهوم التوزيع نفسه؛ فالمؤسسة مطالبة بأن تكون موجودة في محركات البحث ومنصات الفيديو، وقابلة للفهم والاستشهاد داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي، مع الاحتفاظ بقدرتها على إعادة جزء من الجمهور إلى منصاتها الخاصة.

أين يذهب المال؟

لا يغادر المال صناعة الإعلام، فالسوق تتوسع والإنفاق الإعلاني يواصل النمو، الذي يتغير هو موقع القيمة داخل السلسلة الاقتصادية.

فجزء متزايد من العوائد يذهب إلى الجهات التي تمتلك بيانات الجمهور ومنصات توزيعه وأدوات قياس سلوكه والقدرة على تحسين الإعلانات والرسائل لحظياً، حتى عندما يكون المحتوى الذي جذب المستخدم من إنتاج مؤسسة صحفية أخرى.ومن هنا ينتقل الثقل الاقتصادي من بيع "المساحة" إلى بيع القدرة على الوصول والاستهداف والقياس والتأثير. وتبقى جودة المحتوى والثقة المهنية أساس العمل الصحفي، إلا أن الاستدامة تتطلب إلى جانبهما امتلاك علاقة مباشرة مع الجمهور، وفهم احتياجاته، وتحويل هذه العلاقة إلى منتجات وإيرادات قابلة للاستمرار.أخيرًا، السوق تكبر، والجمهور موجود، والإعلان ينمو؛ لكن المنافسة لم تعد على من ينتج المحتوى الأفضل وحده، بل على من يملك الوصول والبيانات والعلاقة، ومن يستطيع تحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة من دون الإخلال باستقلال المؤسسة ووظيفتها الصحفية.

طلحة الأنصاري


إقرأ المزيد