جريدة الرياض - 9/16/2026 12:36:44 AM - GMT (+2 )
سلطت "الرياض" الضوء على مضامين وأبعاد كلمة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة، وزير الصناعة والثروة المعدنية في المؤتمر العام للوكلة الدولية للطاقة الذرية في فيينا أمس الأول، في لقاء استضافته إذاعة الرياض في برنامج صباح السعودية، وتحدث سمو الوزير عن إدخال الطاقة النووية ضمن مزيج الطاقة السعودي، وأبعاده اقتصاديًا للمملكة، خصوصًا في ظل النمو المتسارع على الطلب على الطاقة، وشدد سموه على أن المملكة رسخت على مدى عقود مكانتها مصدرًا موثوقًا للطاقة وشريكًا فاعلًا في استقرار أسواقها العالمية، بالتوازي مع المضي قدمًا في بناء مزيج وطني من مختلف مصادر الطاقة يكون أكثر تنوعًا، ومن الناحية الاقتصادية، إدخال الطاقة النووية ضمن مزيج الطاقة السعودي لا يعني استبدال النفط والغاز أو الطاقة المتجددة، وإنما إضافة مصدر كهرباء جديد ومستقر إلى منظومة تتجه إلى التنويع. وهذا مهم جدًا في ظل النمو السريع في الطلب على الكهرباء في المملكة.
يمكن النظر إلى الأثر الاقتصادي من عدة زوايا: أولًا: تحرير مزيد من النفط والغاز للاستخدامات ذات القيمة الأعلى. توليد الكهرباء يستهلك كميات كبيرة من الوقود، ولذلك فإن إدخال الطاقة النووية، إلى جانب الغاز والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يساعد على تقليل الاعتماد على الوقود السائل في قطاع الكهرباء.
وهذا يعني إمكانية توجيه كميات أكبر من النفط والغاز إلى التصدير أو التكرير والبتروكيماويات والصناعات التحويلية، وهي قطاعات تحقق قيمة مضافة أعلى. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن السعودية شهدت بالفعل تحولًا من النفط إلى الغاز في توليد الكهرباء، مع ارتفاع استهلاك الغاز في المملكة بنحو 6% في 2025 نتيجة زيادة استخدامه في قطاع الكهرباء.
ثانيًا: توفير كهرباء مستقرة على مدار الساعة. الميزة الاقتصادية المهمة للطاقة النووية أنها مصدر مستمر وقابل للتحكم، بعكس الشمس والرياح اللتين تتأثران بالظروف الجوية وساعات النهار. ولذلك يمكن أن تعمل الطاقة النووية كجزء من قاعدة الشبكة، بينما تتوسع المملكة في الطاقة الشمسية والرياح والتخزين. وهذا النموذج يصبح أكثر أهمية مع ارتفاع الطلب نتيجة التوسع الصناعي ومشروعات رؤية 2030 ومراكز البيانات والتكييف وتحلية المياه.
ثالثًا: تعزيز أمن الطاقة. كلما تنوعت مصادر توليد الكهرباء، أصبحت المملكة أقل تعرضًا لتقلبات أسعار الوقود أو اضطرابات أسواق الطاقة العالمية. وهذا الجانب أصبح أكثر أهمية مع التطورات الجيوسياسية الأخيرة وتقلبات أسواق الغاز والنفط. وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن الاهتمام العالمي بالطاقة النووية يتجدد باعتبارها مصدرًا مستقرًا وقابلًا للتحكم ومنخفض الانبعاثات لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء.
رابعًا: دعم النمو الاقتصادي والصناعي. المملكة لا تحتاج فقط إلى كميات أكبر من الكهرباء، بل إلى كهرباء موثوقة ومستقرة لتشغيل مراكز البيانات، والصناعات التعدينية، ومشروعات الهيدروجين، والمدن والمناطق الاقتصادية الجديدة. لذلك فإن الطاقة النووية يمكن أن تصبح جزءًا من البنية التحتية التي تسمح بالتوسع في قطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة دون الاعتماد على مصدر واحد.
خامسًا: خلق صناعة نووية محلية، هو الأثر الاقتصادي لا يقتصر على إنتاج الكهرباء. بناء قطاع نووي يمكن أن يخلق سلسلة واسعة من الأنشطة تشمل الهندسة، والإنشاءات، والتشغيل والصيانة، والخدمات الفنية، والتدريب، والبحث والتطوير، وتصنيع بعض المكونات والخدمات محليًا، وهذا يتوافق مع توجه المملكة الذي عبّر عنه وزير الطاقة بأن التحول في قطاع الطاقة يستهدف تعظيم القيمة الاقتصادية للموارد، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد وإيجاد فرص العمل.
سادسًا: النووي سيكون مكملًا للطاقة المتجددة وليس منافسًا لها. هذه نقطة مهمة جدًا في قراءة التوجه السعودي. المملكة تعمل في الوقت نفسه على التوسع الكبير في الشمس والرياح والتخزين؛ ففي أغسطس 2026 أُعلن عن أربعة مشاريع لتخزين الكهرباء بالبطاريات بإجمالي 2000 ميغاواط لمدة أربع ساعات، ضمن توجه يستهدف أن تصل حصة الطاقة المتجددة والتخزين إلى نحو 50% بحلول 2030 بما يتناسب مع نمو الطلب على الكهرباء.
خطوة استراتيجية لتأمين كهرباء
والخلاصة الاقتصادية أن إدخال الطاقة النووية في مزيج الطاقة السعودي يمثل خطوة استراتيجية لتأمين كهرباء موثوقة ومستقرة مع النمو المتسارع في الطلب، وفي الوقت نفسه تقليل استهلاك النفط والغاز في توليد الكهرباء وتحريرهما لاستخدامات وصناعات ذات قيمة مضافة أعلى، كما أن المشروع يفتح مجالًا لبناء صناعة نووية محلية وسلاسل إمداد جديدة، وبالتالي فإن العائد المتوقع لا يقتصر على إنتاج الكهرباء، وإنما يمتد إلى التنويع الاقتصادي والتوطين ورفع تنافسية الاقتصاد السعودي.
والأهم أن قوة النموذج السعودي ستكون في الجمع بين أربعة مصادر رئيسية: الغاز + الطاقة النووية + المتجددة + التخزين، بحيث يؤدي كل مصدر وظيفة مختلفة داخل منظومة كهرباء قادرة على استيعاب النمو الكبير في الطلب.
وتحدث سموه عن موارد تقديرية بنحو 114 مليون طن في مشروع جبل صايد، تحتوي على تركيزات مرتفعة من المعادن الأرضية النادرة.. وحول القيمة الاقتصادية المحتملة لهذه الموارد فهي كبيرة جدًا، لكن من المهم التفريق بين حجم الخام المكتشف وبين القيمة التجارية للمعادن القابلة للاستخراج منه، فوزير الطاقة أعلن أن الدراسات الجيولوجية في مشروع جبل صايد بالمدينة المنورة أظهرت نحو 114 مليون طن من الخام يحتوي على تركيزات مرتفعة من المعادن الأرضية النادرة، خصوصًا العناصر الثقيلة، إلى جانب تركيزات واعدة من اليورانيوم.
اقتصاديًا، تكمن أهمية جبل صايد في أن العناصر الأرضية النادرة الثقيلة ذات قيمة استراتيجية مرتفعة وتدخل في صناعات متقدمة مثل المغناطيسات الدائمة المستخدمة في السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والإلكترونيات، والروبوتات، وبعض تطبيقات الدفاع والطيران. لذلك فإن امتلاك مورد محلي كبير يمكن أن يمنح السعودية موقعًا أقوى في سلاسل إمداد أصبحت شديدة الأهمية عالميًا.
والأهم من بيع الخام هو تطوير سلسلة القيمة داخل المملكة. فبدل تصدير الخام، تستطيع المملكة – مع تطوير تقنيات الاستخلاص والفصل – الانتقال إلى إنتاج أكاسيد العناصر الأرضية النادرة ثم المواد ذات القيمة الأعلى، وربما المكونات الصناعية في مراحل لاحقة. وهذا يتسق مع الشراكة التي أشار إليها الوزير بين معادن وشركة ام بي متيريلز الأمريكية لتطوير قدرات معالجة وفصل المعادن الأرضية النادرة وإنتاج اليورانيوم المصاحب.
كما أن وجود اليورانيوم إلى جانب المعادن النادرة يرفع الأهمية الاقتصادية للمشروع؛ فاليورانيوم يمكن أن يصبح جزءًا من استراتيجية المملكة لبناء سلسلة قيمة للطاقة النووية، وليس مجرد مورد معدني منفصل، فالمملكة تمضي في برنامج لاستكشاف موارد اليورانيوم وتقييم فرص الاستفادة الاقتصادية منها.
ومن زاوية أوسع، يمكن لجبل صايد أن يدعم عدة أهداف في وقت واحد: تنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط، جذب الاستثمارات والتقنيات الأجنبية، توطين الصناعات التعدينية المتقدمة، بناء سلاسل إمداد محلية للمعادن الحرجة، وخلق وظائف عالية المهارة.
وحول القيمة الاقتصادية المحتملة لهذه الموارد، وهل يمكن أن تنقل المملكة من مجرد منتج للخامات إلى لاعب رئيسي في سلاسل إمداد المعادن الحرجة عالميًا، خصوصًا مع توجهها إلى إنشاء قدرات محلية للمعالجة والفصل؟ تظل "القيمة المضافة" أهم من قيمة الخام نفسه؛ لأن الرهان الاقتصادي الحقيقي للسعودية هو تحويل هذه الموارد إلى صناعة متكاملة للمعادن الحرجة، لا الاكتفاء باستخراجها وتصديرها.
وحول أبرز الفرص التي يمكن أن تخلقها هذه المشاريع للقطاع الخاص السعودي وللشركات الوطنية الناشئة والمتوسطة، إن الفرصة الأكبر أمام القطاع الخاص السعودي هي الدخول في الحلقات المحيطة بسلسلة القيمة التعدينية، وليس بالضرورة امتلاك المنجم نفسه، فمع تطوير مشاريع التعدين والمعالجة والفصل، ستنشأ فرص لشركات سعودية في خدمات الاستكشاف الجيولوجي، والحفر، والمختبرات والتحاليل، والخدمات الهندسية، والمعدات، والنقل والخدمات اللوجستية، وإدارة المخلفات، ومعالجة المياه، والصيانة والتشغيل.
والأهم هو خلق قاعدة صناعية جديدة؛ أي شركات لا تكتفي بخدمة المنجم وإنما تستخدم المنتجات المعدنية بعد فصلها. ويمكن أن تشمل هذه المجالات إنتاج المغناطيسات الدائمة، والمكونات الإلكترونية، والمواد المتقدمة، والمحفزات، ومكونات السيارات الكهربائية، وبعض تطبيقات الطاقة المتجددة والصناعات الدفاعية.
وهذا يتوافق مع التوجه السعودي المعلن لبناء سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من الاستكشاف والتعدين، مرورًا بالمعالجة والفصل والتكرير، وصولًا إلى إنتاج أكاسيد العناصر الأرضية النادرة. كما أن الشراكة بين معادن والشركة الامريكية تستهدف تطوير قدرات معالجة وفصل المعادن الأرضية النادرة وإنتاج اليورانيوم المصاحب، ما يفتح المجال أمام شركات سعودية للدخول كموردين ومقاولين وشركاء في هذه المنظومة.
أما الشركات الناشئة والمتوسطة تحديدًا، فأبرز الفرص قد تكون في التقنيات وليس التعدين التقليدي فقط: تقنيات استكشاف المعادن بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الجيولوجية، تقنيات رفع كفاءة الاستخلاص، إعادة تدوير المعادن النادرة من المخلفات الصناعية، تقنيات معالجة المياه والمخلفات التعدينية، وأجهزة الاستشعار والمراقبة والتحكم في عمليات المعالجة.
ومن الناحية الاقتصادية الأوسع، فإن نجاح هذه المشاريع يمكن أن يؤدي إلى نشوء قطاع صناعي جديد حول المعادن الحرجة، بما يرفع المحتوى المحلي، ويخلق وظائف نوعية، ويزيد الصادرات غير النفطية، ويجذب استثمارات وشراكات تقنية أجنبية، ويمنح الشركات السعودية فرصة للمشاركة في سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


