جريدة الرياض - 9/30/2026 10:19:06 AM - GMT (+2 )
«المعروض وتراجع الطلب» يفرضان عروضاً تمويلية وتسهيلات
تدخل "السوق العقارية" في مدينة الرياض مرحلة جديدة تتسم بهدوء واضح في حركة البيع، وتراجع سرعة تصريف "الوحدات السكنية"، في وقت تتزايد فيه العروض المقدمة من الملاك والمطورين لمحاولة استقطاب المشترين، خصوصاً في سوق "الشقق والفلل"، وسط تغيرات متسارعة فرضتها برامج وإجراءات التوازن العقاري.
وتبرز مظاهر الهدوء في السوق من خلال طول الفترة التي تستغرقها بعض الوحدات المعروضة للبيع قبل إتمام الصفقة، إلى جانب تعدد الإعلانات وتنوّع الحوافز المقدمة للمشترين. ولم تعد المنافسة مقتصرة على السعر، إذ اتجهت بعض الجهات إلى تقديم تسهيلات في السداد، ومقدمات منخفضة، وحلول تمويلية، فيما لجأ ملاك آخرون إلى إعادة تسعير عقاراتهم بهدف زيادة فرص البيع.
وتظهر البيانات العقارية استمرار ضعف النشاط مقارنة بالمستويات التي سجلتها السوق خلال السنوات الماضية؛ إذ أظهرت بيانات الربع الأول من 2026 انخفاض حجم مبيعات العقارات السكنية في الرياض بنسبة 64% على أساس سنوي، فيما تراجعت قيمة المبيعات بنسبة 72%. وفي الربع الثاني، سجل السوق السعودي انخفاضاً سنوياً في حجم المعاملات السكنية بنسبة 12%. وفي أغسطس الماضي، تراجعت قيمة الصفقات العقارية في المملكة بنسبة 15% على أساس سنوي، فيما انخفضت قيمة الصفقات السكنية 8%، وسجلت قيمة مبيعات الشقق تراجعاً بنحو 20%. كما تراجع عدد الصفقات السكنية 7% خلال الشهر نفسه.
وتكشف هذه المؤشرات عن تغير في سلوك السوق، فالمشتري أصبح أمام خيارات أوسع، سواء من حيث نوع العقار أو موقعه أو سعره، في الوقت الذي يجد فيه المالك نفسه مضطراً إلى تقديم عرض أكثر تنافسية لإتمام البيع. وتعد "الشقق" من أبرز المنتجات التي تواجه تحدي التصريف، مع ارتفاع المعروض وتعدد المشاريع السكنية، الأمر الذي دفع بعض المطورين إلى طرح عروض تملك تتضمن مقدمات منخفضة وتسهيلات في السداد، إلى جانب خفض الأسعار في بعض الحالات. وقد رصدت "الرياض"، في وقت سابق عروضاً تضمنت مقدمات تصل إلى 10%، وهوامش ربحية تمويلية تصل إلى 2.5%، فضلاً عن حزم أخرى من التسهيلات. ولا يقتصر الأمر على الشقق، إذ امتد التنافس إلى سوق الفلل، خصوصاً مع ارتفاع التكلفة الإجمالية لهذا النوع من المساكن، وما يترتب عليه من احتياج أكبر للتمويل. وأظهرت بيانات الربع الثاني انخفاض أسعار الفلل بنسبة 9.7% على أساس سنوي وفق المؤشرات المنشورة، في حين ظل أداء الشقق أكثر استقراراً. ويرتبط جزء من التحول الذي تشهده السوق بالإجراءات التنظيمية الهادفة إلى إعادة التوازن بين العرض والطلب، وفي مقدمتها منصة التوازن العقاري التي تستهدف توفير ما بين 10 آلاف و40 ألف قطعة أرض سكنية مخططة ومطورة سنوياً، وبأسعار لا تتجاوز 1,500 ريال للمتر المربع. وتستهدف المنصة تقليص الفجوة بين العرض والطلب وتعزيز استقرار السوق العقارية في العاصمة. ومن زاوية أخرى، فإن تراجع وتيرة البيع وتراكم بعض الوحدات غير المباعة يمكن النظر إليه باعتباره أحد مظاهر انتقال السوق من مرحلة ارتفاعات سريعة إلى مرحلة أكثر ارتباطاً بالقدرة الشرائية الفعلية للمستهلك، فزيادة الخيارات أمام المشتري تمنحه مساحة أكبر للمقارنة والتفاوض، وتدفع المالك إلى مراجعة السعر أو إضافة حوافز جديدة. ويبدو أن السوق العقارية في الرياض تتجه إلى مرحلة يصبح فيها السعر والمواصفات وموقع العقار وشروط التمويل عوامل أكثر حسماً في قرار الشراء، بدلاً من الاعتماد على ارتفاع الأسعار المستمر كعامل جذب للاستثمار.
وفي ظل استمرار المشاريع السكنية الجديدة والإجراءات الهادفة إلى زيادة المعروض، تتجه المنافسة بين البائعين إلى مزيد من الوضوح، فيما يبقى تحسن النشاط مرهوناً بقدرة الأسعار على الاقتراب من مستويات تتناسب مع القدرة الشرائية وتكاليف التمويل، إلى جانب قدرة المطورين والملاك على تقديم منتجات تلبي الطلب الفعلي في السوق. وحول ذلك يصف عقاريون المرحلة الحالية بأنها أقرب إلى التصحيح السعري والهدوء في حركة السوق، مشيراً إلى أن السوق العقارية مرت خلال السنوات الماضية بارتفاعات متسارعة، خصوصاً في المدن الرئيسية، قبل أن تبدأ الإجراءات التنظيمية وبرامج التوازن العقاري في إعادة ضبط العلاقة بين العرض والطلب. ويرون أن استمرار ارتفاع تكاليف التمويل وضعف تمويل المطورين من العوامل التي تحد من سرعة إطلاق المشاريع الجديدة وتؤثر في حركة السوق، متوقعاً استمرار الهدوء أو شبه الركود خلال بعض الفترات، مع استمرار التصحيح بصورة انتقائية.
وفي السياق ذاته، يرى متعاملون في مكاتب عقارية أن زيادة المعروض السكني والإجراءات التنظيمية أسهما في تغيير معادلة السوق، وأصبح المشتري يمتلك خيارات أوسع وقدرة أكبر على المقارنة والتفاوض، فيما اضطر بعض البائعين والمطورين إلى تقديم عروض تمويلية وتسهيلات في السداد أو إعادة النظر في الأسعار لتحفيز الطلب. وتؤكد هذه التطورات أن السوق تمر بمرحلة مختلفة عن سنوات الارتفاع السريع، إذ أصبحت سرعة البيع مرتبطة بصورة أكبر بالسعر وموقع الوحدة ومواصفاتها ومدى ملاءمتها للقدرة الشرائية.
إقرأ المزيد


