جريدة الرياض - 2/13/2026 12:32:58 AM - GMT (+2 )
تحوّل آليات الاستقطاب وغياب المعايير الواضحة
من يتابع دوري «روشن» اليوم لا يمكنه إنكار حجم التحوّل الذي طرأ على كرة القدم السعودية، فكل شيء تغيّر تقريبًا؛ الأسماء، والإدارات، وطريقة التفكير، وحتى سقف الطموح، حيث تحوّلت الأندية إلى كيانات استثمارية، وحضر نجوم عالميون، وأصبح المشروع الكروي السعودي واحدًا من أكثر المشاريع جذبًا للأنظار في المنطقة والعالم، ومع هذا التسارع اللافت، يظل ملف التحكيم حاضرًا بوصفه أكثر الملفات إثارة للأسئلة، إذ يعود الجدل إلى الواجهة مع كل جولة، وكأن الزمن لم يتحرّك في هذا الجانب بالوتيرة نفسها التي تحرّك بها الدوري.
القضية لم تعد مرتبطة بلقطة جدلية هنا أو صافرة مثيرة هناك، وإنما أصبحت مرتبطة بشعور عام يتنامى لدى الأندية والجماهير على حد سواء، مفاده التساؤل عمّا إذا كان التحكيم يواكب بالفعل ما وصل إليه دوري «روشن»، وهو تساؤل لا يعكس اعتراضًا لحظيًا بقدر ما يعكس فجوة متزايدة بين حجم الاستثمار في المسابقة، ومستوى الثقة في منظومة يُفترض أنها الضامن الأول لعدالة المنافسة واستقرارها.
ذاكرة لا تزال حاضرة
قبل سنوات، كان استقطاب الحكم الأجنبي في الدوري السعودي يحمل دلالة مختلفة تمامًا، إذ لم يكن مجرد خيار إضافي أو إجراء احترازي عند تصاعد الاحتقان، بل كان يُنظر إليه بوصفه رسالة واضحة بأن المباراة ستدار بأسماء اعتادت إدارة مباريات دوري أبطال أوروبا، وتمتلك خبرات طويلة في التعامل مع ضغط المواجهات الكبرى، وتفاصيلها الدقيقة، وحساسيتها الفنية والجماهيرية.
تلك المرحلة رسّخت لدى المتابع قناعة بأن الحكم الأجنبي يمثل الخيار الأكثر أمانًا، أو على الأقل الأكثر طمأنينة، خصوصًا في المباريات المفصلية، ورغم أن التجربة لم تكن خالية من الأخطاء أو الجدل، إلا أنها نجحت في تقليص حدّة الاحتقان، وأسهمت في رفع مستوى إدارة المباريات الحساسة، كما أعطت انطباعًا بأن التحكيم يسير جنبًا إلى جنب مع مشروع التطوير العام الذي كانت تعيشه الكرة السعودية آنذاك، لا أنه ملف ثانوي أو عبء يُرحّل من موسم إلى آخر.
التغيّر الذي لم يُشرح
ومع مرور الوقت، بدأ المشهد يتغيّر بهدوء، دون إعلان واضح أو تفسير مقنع، إذ لم يعد الحكم الأجنبي هو الاسم الكبير ذاته، ولا السيرة التحكيمية الثقيلة التي اعتادها الشارع الرياضي، فتغيّر شكل الطواقم، وتفاوتت مستوياتها، وبدأت الأسئلة تظهر تدريجيًا حول أسباب هذا التحوّل، وما إذا كان ناتجًا عن تغيّر في السياسة التحكيمية أو عن ظروف خارجية فرضت واقعًا جديدًا.
في الواقع، لم يكن هذا التغيّر وليد قرار داخلي واحد، بل جاء نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها القيود التي فرضتها بعض الدوريات الأوروبية على عمل حكامها خارج نطاقها المحلي، الأمر الذي قلّص دائرة الأسماء المتاحة من الصف الأول، إضافة إلى تغيّر آلية الاستقطاب محليًا، وارتفاع تكلفتها، وتعقيد إجراءاتها الزمنية والتنظيمية، وهو ما جعل الخيارات المتاحة أضيق، وأحيانًا أقل جودة مما يتوقعه دوري بحجم «روشن»، خاصة عندما تُدار مباريات عالية الحساسية بطواقم لم تختبر بعد أقصى درجات الضغط القاري.
غير أن الإشكالية لم تكن في تغيّر الظروف بحد ذاتها، فذلك أمر طبيعي في سوق تحكيمي عالمي معقّد، وإنما في غياب الشرح الواضح، إذ لم يُقدَّم للجمهور ولا للأندية إطار معلن يوضح آليات الاختيار، ولا المعايير التي تُبنى عليها قرارات الاستقطاب، وهو ما فتح الباب أمام التأويل، وزاد من مساحة الشكوك حول جودة بعض الطواقم التي حضرت في المواسم الأخيرة.
الأجنبي.. بلا هوية واضحة
في الوقت الراهن، لم يعد يكفي أن يكون الحكم أجنبيًا حتى يُنظر إليه بوصفه ضمانة فنية، إذ إن بعض الطواقم التي حضرت إلى الدوري تمتلك سيرًا مهنية محترمة في دورياتها المحلية، لكنها لم تختبر بعد أعلى مستويات المنافسة القارية، ولا ضغط المباريات التي تُحسم فيها البطولات وتتحدد فيها مصائر الفرق، وهنا يتضح الخلل الحقيقي، الذي لا يرتبط بشخص الحكم أو نزاهته أو اجتهاده، بل يرتبط بسقف الاختيار ذاته.
فعندما تغيب المعايير المعلنة، يصبح الحكم الأجنبي عنوانًا عامًا بلا مضمون واضح، وتتحول القرارات التحكيمية إلى مساحة مفتوحة للاجتهاد والجدل، بدل أن تكون امتدادًا لمنظومة ثقة راسخة، خصوصًا في دوري يعيش زخمًا استثماريًا وإعلاميًا كبيرًا، ولا يحتمل هذا القدر من الضبابية في أحد أكثر ملفاته حساسية وتأثيرًا على مسار المنافسة.
ضخامة الاستثمار.. وارتباك الصافرة
المفارقة أن هذا الجدل يتصاعد في وقت بلغ فيه الإنفاق داخل الدوري مستويات غير مسبوقة، حيث ارتفعت قيمة الصفقات، وتطورت البنية التنظيمية للأندية، واتسعت دائرة الاهتمام الإعلامي بالدوري، الذي بات يسعى إلى ترسيخ مكانته بين الدوريات العالمية، ومع ذلك، يظل التحكيم الحلقة الأكثر عرضة للتشكيك، أو على الأقل الحلقة التي لم تصل بعد إلى مستوى الاستقرار الذي يتناسب مع حجم المشروع.
فعندما يشعر نادٍ بأن موسمه قد يتأثر بقرار تحكيمي مثير للجدل، أو عندما يتحول النقاش بعد كل جولة من الأداء الفني والقراءة التكتيكية إلى تقييم قرارات الحكم، فإن ذلك يشير إلى أن المنظومة التحكيمية لم تبلغ بعد مرحلة النضج المطلوبة، وأن الصافرة لم تتحول إلى عنصر استقرار بقدر ما أصبحت أحد مصادر الجدل المتكرر.
التحكيم، في نهاية المطاف، ليس مجرد إدارة للمباراة، بل يمثل أحد الأعمدة الأساسية لحماية المنافسة وضمان نزاهتها، وهو ما يجعل تطويره ضرورة لا تقل أهمية عن تطوير الجوانب الفنية أو الاستثمارية في الدوري.
ما بين الحاضر والمطلوب
القضية اليوم لا تتعلق بإلغاء الاستعانة بالحكم الأجنبي أو التمسك به، ولا بالمفاضلة بين الحكم المحلي ونظيره الخارجي، بقدر ما تتعلق بوجود فكرة واضحة تحكم آلية الاختيار، ومعايير معلنة تواكب حجم الدوري وطموحاته، إلى جانب منظومة تقييم ومساءلة تعزز الثقة، وتمنح الأندية والجماهير شعورًا بأن القرارات التحكيمية تخضع لإطار احترافي متكامل.
وفي موازاة ذلك، لا بد من النظر إلى تطوير الحكم السعودي بوصفه مشروعًا طويل المدى، يستند إلى التأهيل المستمر، والتقييم الفني الدقيق، والدعم المهني والنفسي، حتى يصبح الحكم المحلي خيارًا تنافسيًا يعتمد عليه بثقة، لا حلًا مؤقتًا يُستدعى عند الحاجة.
الأسئلة الصعبة
دوري «روشن» اليوم مشروع كروي ضخم، يتقدّم بسرعة، ويحمل طموحات تتجاوز حدود المنافسة المحلية، ومع هذا التسارع الطبيعي، يصبح من المشروع أن تُطرح الأسئلة الصعبة، وأن يُفتح ملف التحكيم دون مجاملة أو تهوين، لأن الصافرة، في دوري عالمي، يجب أن تكون بحجم المشروع الذي تديره، وأن تعكس مستوى التطور الذي وصلت إليه كرة القدم السعودية، لا أن تتحول إلى أضعف حلقاته.
إقرأ المزيد


