الغربى عمران «الروائى اليمنى» يكتب: سيرة نقطة ضوء.. حين يبوح النخيل
المصري اليوم -

الغربى عمران الروائى اليمنى

الغربى عمران الروائى اليمنى

حين يبوح النخيل، ظننته عنوانا لرواية جديدة بداية الأمر، فهدى النعيمى الفائزة بجائزة كتارا ٢٠٢٥ بروايتها زعفارن، جعلتنى أنتظر جديدها، لكننى اكتشفت من الأسطر الأولى أننى أمام إصدار سيرى لهدى النعيمى، كائن وضاء ومتعدد القدرات، فشكرا لك أديبتنا العربية السامقة وأنت تتنقلين بين القصة وأدب الطفل والرواية ثم السيرة.

سيرة ذاتية صادرة عن دار جامعة حمد بن خليفة للنشر ٢٠٢٢.

بداية نقتص من غلافها الأخير بعض الأسطر لنقرب المضمون للقارئ العزيز: «تدفعنا هذه السيرة الذاتية إلى تتبع مسار نقطة الزئبق، تابعت تدحرجها أمام عينى الكاتبة عبر السنين، انطلقت من المدرسة الابتدائية، وانتقلت إلى جامعة قطر... إلخ» ومن نفس الغلاف: «هدى النعيمى كاتبة وباحثة قطرية، رسخت نفسها كاتبة فى مجال القصة القصيرة والسيرة، وشاركت فى التحكيم فى جوائز عالمية، تحمل شهادة الدكتوراه فى الفيزياء، وحاصلة على جائزة الدولة فى العلوم، ومثلت وطنها فى أرقى المؤتمرات العلمية... إلخ».

ومما ورد نجد أن الناشر يصفها بكرة زئبق، وهو ما جاء فى الصفحات الأولى للسيرة، بحكم قرب تخصصها. وصفها بذلك.

أما أنا فأراها وأنا أقرأ هذا السفر بنقطة ضوء تتحرك منذ مولدها عبورا بطفولتها وصباها ومراحل دراستها وحتى تخرجها وممارسة حياتها العملية والأدبية.

المذكرات لم تقتصر على ذات الكاتبة، بل تجاوزت لتقدم سيرة وطن بإيقاعات حياة مجتمعه، وتطوره، وتجاوزت ذلك إلى رصد أبرز الأحداث فى المنطقة مثل غزو صدام حسين للكويت، وحرب التحالف على العراق، وأحداث أخرى.

ومن بوح السيرة نجد نقطة الضوء متعددة الاهتمامات والمواهب، منذ صغرها وحتى يومنا هذا، نشيطة منفتحة العقل على علوم العصر وثقافاته المتنوعة، وما يلفت انتباه القارئ أن تخصصها علمى بحت، إلا أن ما كان يجذبها على الدوام منذ صغرها هو الأدب والثقافة بأفقها الواسع، إذ إنها لم تكرز وقتها لتخصصها، أو على ما يعينها فى أعمالها، وكذلك إعداد الأبحاث المتتالية والمشاركات داخل البلاد وخارجها فى مؤتمرات إقليمية ودولية، وهنا تبرز خاصية تنظيم الوقت، وأجزم أن نقطة الضوء قد اهتدت إليها لتظهر على المشهد الأدبى القطرى والعربى بوجه الأديبة المبدعة من خلال توالى إصداراتها السردية: «المكحلة» و«أنثى» و«عين ترى» و«النبع الذهبى» مسرحية للأطفال و«أباطيل» ثم بروايتها زعفران الفائزة بجائزة قتارا ٢٠٢٥، وأخيرا بما بين يدينا من تفصيل لحياة مترعة بالنشاط والمثابرة.

هدى النعيمى

غلاف الكتاب

ومن طفولتها يلحظ انشغالها فى مسارين، المسار الأول ما كان يدور داخل قاعة الدرس، والآخر تلك النقاشات التى تشدها خارجه، نقاشات الكبار وكأن ما تسمعه يخصها أيضا رغم صغر سنها، ولذلك نجد الأثر على شخصيتها وميولها وخياراتها المستقبلية، إضافة إلى تلك الأسماء الكثيرة التى كانت تشدها إلى عوالم واهتمامات أخرى، أسماء أدبية وعلمية فى قاعات الثقافة وإدارات العمل، وسكن الطالبات... إلخ، أسماء بعضها يعرفها المتابع العربى مثل الباز إلى البردونى والجواهرى، وقبانى والحفار، من انتظمت فى قاعات درسهم وقاعات العمل الطبى والعلمى. وأسماء كثر لزميلات عمل وزميلات دراسة ومجاورات سكن، تلك الأسماء مثلت كوكتيلا إنسانيا من الشرق والغرب ومن أقطار مختلفة، وكأنها كانت بمرجل يمزج ثقافات إنسانية لسنوات لينتج هذا الكائن الإنسانى، نقطة ضوء تسافر فى أرواح من عايشتهم ويسافرون فى روحها، ولم تقتصر معايشتها لتلك الشخصيات فحسب بل تجاوزت المكان من الدوحة إلى القاهرة ومنها إلى منبولييه فى فرنسا أثناء تحضيرات لدراسات الماجستير والدكتوراه، ورحلاتها بعد إتمام رسالتها إلى دول عدة فى أوروبا وشرق آسيا وغيرها، كل ذلك ونقطة الضوء تهضم بعقلها ما تراه وتعيشه لتتكون روح الأديبة التى نعرفها اليوم بمشاركاتها النوعية وإصداراتها المتميزة.

وما يميز نقطة الضوء ليس الجانب العلمى أو العملى أو كذلك الاجتماعى، بل إن المتميز فيها أيضا الجانب الأدبى الذى نشطت فيه أيام تواجدها فى مصر لسنوات، ثم بعد عودتها حيث كانت لها مشاركات متميزة فى نوادٍ ثقافية كنادى الجسرة، وأيضا فى تنشيط المشهد الثقافى من خلال إنشاء جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية وإدارة الأنشطة الثقافية وتجاوز ذلك إلى أن عملت فى مجال الصحافة الثقافية، لتتعدد مسارات الضوء وإسهاماتها المثمرة التى ارتقت بالمشهد الأدبى والثقافى القطرى، والخروج به من عنق الزجاجة إلى ما نعرف اليوم من بهاء وحضور.

نقطة الضوء بدايتها مع الأدب حبها للغة العربية وقصائد الشعر العربى قديمه وحديثه وهى تستشهد فى مذكراتها بقصائد عديدة لأدباء وأديبات قطريات وعرب كزكية مال الله وقاصات ككلثم جبر، وقد حضرت لزكية ندوة شعرية نظمتها الشاعرة زكية فى القاهرة وقرأت بعض أشعارها وقرأ الشاعر المصرى فاروق جويدة قصيدة موجهة لابنته عزة حينها تقول «وأحسست بانتماء غريب لهذا العالم، عالم الأدب والفن الذى تشكل عندى مع القراءة وصار اليوم جزءا من الواقع الذى أعيشه» لتشارك بعد فترة بإدارة ندوة عرفت فيها بالأدب القطرى، ثم قدمت الشاعر أبوسنة ليقرأ إحدى قصائده.. وتضيف «شجعتنى تلك المعارف على أن أخرج بعض أوراقى الأدبية وأعلن عن بعض كتاباتى التى ظلت شبيهة بالسر الدفين.. وكانت مجموعة قصص قصيرة متنوعة كنت قد كتبتها على مراحل عدة» ونعرف أن ذلك الملف ضاع وضاعت أولى المجاميع القصصية، لكنها لم تتوقف عن الكتابة لتصدر بعد فترة أولى مجاميعها القصصية بعنوان «المكحلة» ثم تلتها بمجموعة «أنثى» تقول نقطة الضوء فى مذكراتها «كنت فى السنة الأخيرة من الدكتوراه وكأننى كنت أود أن أتأكد أين أنا من هذا؟ قبل أن أترك القاهرة فأرسلت المكحلة وأنثى إلى عدد كبير من الكتاب العرب وجاء الرد جميلا من عدد منهم فشعرت بالثقة فى كتاباتى».

المحلل لما كتبته نقطة الضوء يجدها تعيش بأكثر من روح، وتسلك كل منها طريقا لا يشبه الطرق الأخرى، تقول «بالتوازى مع تطور الأداء المهنى، كنت أتابع بشغف النشاط الثقافى الذى يقدمه نادى الجسرة الاجتماعى الثقافى فى قطر، وكنت أبحث عن منصات ثقافية، روحا ثقافية تشبه أو تقارب فى الشبه تلك التى كنت حريصة على التواصل معها فى القاهرة».

ولنشاطها اللافت فى مجال الأدب والثقافة عينت كعضوة لمجلس إدارة المجلس الوطنى للثقافة، وعملت على مشروع إنشاء جائزتى الدولة التقديرية والتشجيعية، ثم عينت عضوة فى إدارة نادى الجسرة، ثم رئاسة القسم الثقافى فى جريدة الراية القطرية.

هنا أرصد تطورها الثقافى والإبداعى الذى أفادت القارئ من خلال سيرتها، غير أن جوانب عديدة من سيرة الضوء كانت لافتة من حيث عملها ونشاطها الاجتماعى ومشاركاتها البحثية وحضورها المؤتمرات العلمية فى مجالها.

وما يظهر معدنها الأصيل وروحها الوثابة موقفها من اكتشاف ورم فى صدرها أثناء زيارتها لبانكوك، الأمر الذى يستدعى استئصال أحد ثدييها قبل انتشاره فى جسمها، وكيف واجهت ما يحدثها بها الطبيب التايلندى، لتقرر مزيدا من الفحوصات وسفرها إلى نيويورك وتم الاستئصال، هنا يتوقف القارئ أمام ما تحلت به من قوة إيمان وحسم دون تردد فى المضى فى عملية استئصال الثدى، وكيف تقبلت ذلك بروح الكائن المؤمن والقوى، بل ومواجهة الحياة واستمرار نقطة الضوء التى نعرفها بهية متوهجة نشطة تبعث الأمل فى نفوس من تقابلهم حتى اليوم.

السيرة بها مواقف إنسانية عديدة، وصدق لا يتجاوز الخصوصية، وتفاصيل دقيقة لضعف وقوة الشخصيات أثناء مواجهة أتراح ومسرات الحياة.

هى ليست سيرة ذاتية بل سيرة وطن ولمحات من أهم محطات دولة قطر.

يتكون الكتاب مما يقارب المائتين صفحة، موزعة على عشرة عناوين، هى: بدايات، فى رحاب الجامعة، بين أروقة المستشفى، من القاهرة إلى «مونبلييه»، الكويت يا حبيبتى، ٩ شارع دمشق، عود على بدء، نيويورك.. قصة أخرى، حول العالم مع الفيزياء، أما بعد.

ونقتص من الجزء الأخير الأسطر التالية: «قرأت منذ زمن بعيد كتاب الأيام لطه حسين، وكتاب حياتى لأحمد أمين. لست طه حسين ولا أحمد أمين، ولست نيلسون مانديلا لأكتب «مسيرة طويلة عن الحرية» ولا أدعى كتابة «حصاد السنين» كالتى كتبها زكى نجيب محمود، وإنما أن «سيدة من قطر» مثل جيهان السادات التى كتبت «سيدة من مصر» لن استدعى تلك الأسماء ولا تلك العناوين فقد قررت أن أكون أنا فقط، مثلما قررت ذات يوم بعيد أن أكون نفسى أملكها وأملك قرارها وحين قررت الكتابة أدركت أن للنخيل أن يبوح ببعض مكنوناته.

فتحية لكائن ملهم، كائن أراه مثالا للمرأة المستنيرة والناجحة، التى تعتبر قدوة لشابات وشباب هذه الأيام نحو النشاط والمثابرة فى تحقيق الذات والتميز بين ملايين البشر. شكرا نقطة الضوء.



إقرأ المزيد