جريدة الرياض - 1/13/2026 9:15:02 AM - GMT (+2 )
تمتاز مجتمعاتنا العربية، وفي قلبها المجتمع السعودي، بنسيج اجتماعي فريد يقدس "الترابط" ويضع "احترام الكبار" في مرتبة تلي العبادات، ومع ذلك، يواجه هذا الإرث اليوم تحديات صامتة ناتجة عن "فجوة الأجيال" وتسارع نمط الحياة الرقمي؛ فالمسن في بيوتنا ليس مجرد فرد، بل هو "البركة" والجذر الذي تستند إليه العائلة، ومن هنا تبرز أهمية الرعاية التي توازن بين كرامة الكبير ومتطلبات العصر.
لغة الأرقام.. الواقع المحلي والطموح الوطني
على الصعيد المحلي، تشير بيانات الهيئة العامة للإحصاء إلى أن نسبة السكان السعوديين الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر قد بدأت في الارتفاع نتيجة تحسن الرعاية الصحية، حيث من المتوقع أن تصل هذه الفئة إلى نحو 25% من إجمالي السكان بحلول عام 2050.
هذا التحول الديموغرافي جعل المملكة تطلق نظام "حقوق كبار السن ورعايتهم"، الذي يمنع التخلي عنهم ويجعل "الأسرة" هي الحاضن الأول. كما توسعت وزارة الصحة في برامج "الرعاية المنزلية" لتشمل أكثر من 80 ألف مستفيد سنوياً، تقدم لهم خدمات طبية وتأهيلية في منازلهم، لضمان استمرار بقائهم في بيئتهم الطبيعية وبين أحفادهم.
المشهد العالمي.. اقتصاد الشيخوخة وأزمة العزل
عالمياً، نحن أمام ظاهرة "توسع الشيخوخة"؛ إذ تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً أو أكثر سيصل إلى 2.1 مليارشخص بحلول عام 2050، وهو ما يمثل ضعف الرقم المسجل في عام 2017، وفي الدول المتقدمة مثل اليابان وألمانيا، تحولت رعاية المسنين إلى قطاع اقتصادي يستهلك نحو 10% إلى 15% من إجمالي الإنفاق الصحي، ومع ذلك، تبرز الأزمة الإنسانية في "العزل الاجتماعي"، حيث تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن واحدًا من كل ستة أشخاص من كبار السن يعاني من شكل من أشكال الإساءة أو الإهمال، وغالباً ما يكون ذلك في دور رعاية تجارية تفتقر للرقابة والبعد الوجداني.
استغلال الفجوة.. حين يتحول "البر" إلى فرصة تجارية
تظهر الخطورة حين تستغل بعض الشركات التجارية هذه "الفجوة" بين الأجيال لتقديم خدمات رعاية منزلية دون رقابة كافية، حيث يشير التحليل التحذيري إلى نمو "سوق موازٍ" يوظف عمالة غير متخصصة بزي تمريض، موهماً الأسر بتوفير رعاية طبية تخصصية، بينما هي في الواقع مجرد مراقبة بدائية بأسعار فلكية.
إن حماية كبار السن من هذا "التغول التجاري" تتطلب بصيرة وطنية تربط بين جودة الخدمة وبين الأمانة الأخلاقية، لضمان ألا تتحول شيخوخة آبائنا إلى مادة للربح السريع.
البصيرة في الوفاء
إن احترامنا للكبار هو ممارسة تبدأ من توفير الرعاية التي تليق بتاريخهم. إن سد الفجوة بين الأجيال يتطلب منا أن نعيد للمسن مقعده في صدر المجالس، وأن تكون دور الضيافة والرعاية المنزلية مجرد روافد تساند الأسرة ولا تستبدلها، لتبقى "البصيرة" هي التي تقودنا لرد الجميل لمن أفنوا أعمارهم لنمضي نحن نحو المستقبل.
إقرأ المزيد


