الإمارات اليوم - 6/22/2026 2:08:11 AM - GMT (+2 )
في كل عام، تتجه أنظار العالم إلى مضمار رويال أسكوت البريطاني لمتابعة واحدة من أعرق بطولات سباقات الخيل، لكن ما يجذب عدسات المصورين في كثير من الأحيان لا يكون الخيول أو الفرسان، بل القبعات النسائية الفريدة التي تتحول إلى أعمال فنية تتنافس في الإبداع والجرأة، حتى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هوية الحدث، ورمزاً ثقافياً يعكس تاريخاً يمتد لأكثر من ثلاثة قرون من الأناقة البريطانية.
ففي الوقت الذي تبدو القبعات اليوم جزءاً من استعراض للأزياء، فإن جذورها تعود إلى بدايات السباقات التي أسستها الملكة آن عام 1711، لتتحول المناسبة تدريجياً إلى ملتقى للنبلاء والأرستقراطيين وأفراد العائلة المالكة، الذين وجدوا في السباقات فرصة لإبراز المكانة الاجتماعية من خلال الملابس الفاخرة والإطلالات الرسمية. ومنذ ذلك الوقت، أصبح الحضور إلى أسكوت يخضع لقواعد لباس دقيقة، كان أبرزها ارتداء السيدات القبعات الكبيرة والمزخرفة، في تقليد استمر حتى يومنا هذا.
ومع مرور العقود، تجاوزت القبعة وظيفتها التقليدية كقطعة ملبسية، لتتحول إلى وسيلة للتعبير الفني والهوية الاجتماعية. فكل تصميم يحمل بصمة خاصة تعكس شخصية صاحبته ورؤية المصمم، بينما باتت دور الأزياء البريطانية تنظر إلى الحدث بوصفه منصة سنوية لا تقل أهمية عن أسابيع الموضة العالمية في لندن أو باريس.
ويشير مؤرخو الأزياء إلى أن انتشار القبعات في أسكوت ارتبط بازدهار فن «الميلينري - Millinery»، وهو فن تصميم وصناعة القبعات اليدوية الذي اشتهرت به بريطانيا منذ القرن الـ19، حيث كانت القبعة آنذاك رمزاً للرقي والوجاهة الاجتماعية، ولم يكن من المقبول أن تظهر سيدات الطبقة الأرستقراطية في المناسبات العامة من دون غطاء رأس أنيق يعكس مكانتهن.
ومع تطور الموضة، تطورت القبعات أيضاً، فانتقلت من التصاميم الكلاسيكية المصنوعة من القش والحرير والريش إلى أعمال فنية معاصرة، تستخدم فيها المعادن والأقمشة الفاخرة والأزهار الطبيعية والريش الملون وحتى العناصر الهندسية والنحتية، لتصبح كل قبعة قطعة فريدة تحتاج إلى أسابيع من العمل اليدوي الدقيق.
لم يعد الاهتمام بالقبعات مقتصراً على النخبة أو الطبقة الأرستقراطية، بل تحول إلى ظاهرة جماهيرية وإعلامية عالمية، حيث تتسابق وسائل الإعلام ومجلات الموضة إلى رصد أكثر الإطلالات غرابة وإبداعاً، فيما تخصص دور الأزياء والمصممون مجموعات كاملة لهذه المناسبة، إدراكاً لما توفره من انتشار عالمي وتأثير في صناعة الموضة.
وأصبحت القبعات اليوم مساحة للإبداع المفاهيمي، حيث يستلهم بعض المصممين أعمالهم من الطبيعة أو العمارة أو الفنون التشكيلية، فيما يذهب آخرون إلى تصاميم جريئة تتحدى المفاهيم التقليدية، لتتحول السجادة الخضراء في أسكوت إلى معرض مفتوح لفن يُرتدى على الرأس، ويجمع بين التراث والابتكار والمهارة الحرفية.
تاريخ اجتماعي
رغم تغير الأزمنة واتساع تأثير الموضة العالمية، لاتزال قبعات «رويال أسكوت» تحافظ على مكانتها بوصفها أحد أبرز رموز الأناقة البريطانية، ودليلاً على قدرة قطعة صغيرة من الأزياء على اختزال قرون من التاريخ الاجتماعي والثقافي، وتحويل سباقات الخيل إلى احتفال سنوي بالفن والتصميم والإرث الملكي، حيث تمتزج المنافسة الرياضية مع عروض الأزياء في مشهد لا يشبه أي حدث آخر في العالم.
إقرأ المزيد


