«الأوديسة» في اختبار استعادة سحر هوليوود بالصين
الإمارات اليوم -

في وقت يستعيد فيه شباك التذاكر العالمية زخمه بفضل مجموعة من الإنتاجات الضخمة، تتجه أنظار صناعة السينما إلى الصين بوصفها أحد أكثر الاختبارات حساسية لمستقبل الأفلام الهوليوودية في الأسواق الخارجية. وفي قلب هذا الاختبار يقف فيلم «الأوديسة» للمخرج الأميركي كريستوفر نولان، الذي بدأ عرضه أمس، 14 أغسطس في دور العرض الصينية، وسط حملة توزيع واسعة ورهانات كبيرة على قدرته على جذب الجمهور إلى الصالات.

ولا تأتي أهمية الفيلم من حجمه الإنتاجي أو اسم مخرجه فقط، بل من توقيت إطلاقه في سوق تغيرت ملامحه بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة؛ إذ لم تعد هوليوود تتمتع بالمكانة التي كانت تحظى بها سابقاً لدى الجمهور الصيني، في حين أصبحت الأفلام المحلية أكثر قدرة على المنافسة، بل وتحقيق أرقام ضخمة داخل السوق وخارجه. ومن هنا، يتحول «الأوديسة» إلى أكثر من مجرد فيلم جديد؛ فهو اختبار لمدى قدرة السينما الأميركية على استعادة جزء من حضورها في أكبر الأسواق السينمائية في العالم.

رهان استثنائي على فيلم واحد

اختارت الشركات الموزعة للفيلم إطلاقه على نطاق واسع للغاية، إذ سيعرض «الأوديسة» على أكثر من 20 ألف شاشة في الصين، في حين سيحصل الفيلم على نحو 90% من شبكة صالات IMAX في البلاد، في واحدة من كبريات عمليات الإطلاق لفيلم هوليوودي في السوق الصينية خلال الفترة الأخيرة.

وتكتسب هذه الأرقام دلالة خاصة؛ لأن الفيلم صُمم أساساً ليكون تجربة جماهيرية تعتمد على الصورة الضخمة والصوت والتفاصيل البصرية. وهو أول فيلم روائي طويل يُصوَّر بالكامل باستخدام كاميرات أفلام «IMAX 70» ما جعل تجربة العرض في الشاشات الكبيرة جزءاً أساسياً من هويته الفنية والتجارية، وليس مجرد خيار تقني إضافي. وقد حقق الفيلم منذ انطلاقه العالمي نتائج قياسية في شبكة IMAX، من بينها تسجيل أكبر افتتاح لفيلم من أفلام نولان في هذه الشبكة.

وتأتي السوق الصينية في مرحلة متقدمة من الرحلة التجارية للفيلم، بعدما تجاوز «الأوديسة» حاجز المليار دولار في شباك التذاكر العالمي، ليصبح الفيلم الأعلى إيراداً في مسيرة نولان حتى الآن، وفق أحدث البيانات المنشورة.

من السوق المساندة إلى المنافسة

على مدى سنوات، كانت الصين تمثل بالنسبة إلى الاستوديوهات الأميركية سوقاً ضخمة يمكن أن تضيف عشرات أو مئات الملايين من الدولارات إلى إيرادات الأفلام الكبرى. غير أن العلاقة بين هوليوود والجمهور الصيني تغيرت تدريجياً.

فقد ازدادت قوة الإنتاج المحلي، وتبدلت أذواق المشاهدين، كما لعبت العوامل الاقتصادية والسياسية والتنظيمية دوراً في تقليص حضور عدد من الأفلام الأميركية. وفي الوقت نفسه، أصبحت أفلام صينية ضخمة قادرة على تحقيق نتائج هائلة داخل السوق المحلية، ما جعل المنافسة أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأفلام المستوردة. وتشير بيانات شباك التذاكر لعام 2025 إلى أن السوق الصينية حققت نحو 7.41 مليارات دولار من الإيرادات، مع تسجيل 1.24 مليار زيارة للصالات، في وقت تصدرت فيه إنتاجات محلية مثل «Ne Zha 2» المشهد التجاري.

وهكذا، لم تعد المسألة بالنسبة إلى هوليوود مرتبطة فقط بوجود الفيلم الأميركي في الصين، بل بقدرته على منافسة إنتاجات محلية أصبحت تمتلك نجومها وقصصها وشخصياتها الجماهيرية، إلى جانب قاعدة جماهيرية واسعة.

لماذا كريستوفر نولان؟

وسط هذه الظروف، يمتلك «الأوديسة» ورقة يصعب تجاهلها: اسم كريستوفر نولان نفسه.

فالمخرج البريطاني-الأميركي بنى خلال السنوات الماضية قاعدة جماهيرية قوية في الصين، وحققت أفلامه السابقة، من بينها «إنسبشن» و«إنترستيلر» و«أوبنهايمر»، حضوراً لافتاً لدى الجمهور الصيني. وتربط تحليلات سينمائية هذا النجاح بقدرة نولان على الجمع بين الأفكار الكبيرة، والأسئلة العلمية والفلسفية، والاستعراض البصري، وهي عناصر وجدت صدى لدى شريحة واسعة من الجمهور الصيني، خصوصاً في المدن الكبرى.

ويضيف «الأوديسة» عاملاً آخر يتمثل في طبيعة الحكاية نفسها. فالفيلم يستند إلى ملحمة هوميروس الشهيرة، ويقدم رحلة أوديسيوس الطويلة في قالب سينمائي ضخم يجمع الأسطورة والمغامرة والحرب والدراما العائلية.

ويرى محللون أن بعض موضوعات الفيلم، مثل رحلة العودة إلى الوطن ولمّ شمل الأسرة والضيافة، يمكن أن تجد صدى ثقافياً لدى الجمهور الصيني، وإن كانت طبيعة الفيلم الملحمية وتعقيده السردي قد تشكل في الوقت نفسه تحدياً أمام بعض المشاهدين.


هل يستطيع فيلم تغيير المعادلة

رغم كل المؤشرات الإيجابية، فسيكون من المبالغة اعتبار «الأوديسة» قادراً بمفرده على إنقاذ هوليوود في الصين.

فالسوق أكبر وأكثر تعقيداً من أن يغير مسارها فيلم واحد، مهما كان اسم مخرجه أو حجم إنتاجه. كما أن نجاح نولان قد يكون حالة استثنائية مرتبطة بشخصيته الفنية والجمهور الذي بناه خلال سنوات، وليس بالضرورة مؤشراً على عودة شاملة للأفلام الأميركية.

وإذا حقق «الأوديسة» افتتاحاً قوياً واستمر في جذب الجمهور خلال الأسابيع الآتية، فسيمنح ذلك الاستوديوهات الأميركية دليلاً على أن السوق الصينية لاتزال قادرة على استقبال الإنتاجات الكبرى، شرط أن تقدم أفلاماً تمتلك قيمة فنية أو تجربة بصرية استثنائية أو أسماء قادرة على صناعة الثقة لدى الجمهور.

أما إذا جاء الأداء أقل من التوقعات، فقد يكون ذلك مؤشراً على أن التحول الذي شهدته السوق الصينية أعمق من أن تعكسه عودة فيلم واحد، وأن المرحلة التي كانت فيها هوليوود تعتمد على الصين باعتبارها امتداداً شبه مضمون لشباك التذاكر العالمي قد أصبحت جزءاً من الماضي.


«الأوديسة» ليس وحده

لا يدخل «الأوديسة» إلى الصين في فراغ؛ فقد أظهرت الأسابيع الأخيرة أن الجمهور الصيني لم يغلق الباب أمام هوليوود تماماً، بل لايزال مستعداً لاستقبال الأفلام الأميركية عندما تقدم له تجربة جماهيرية قوية.

ومن أبرز الأمثلة فيلم «سبايدرمان: يوم جديد»، الذي حقق أداءً قوياً في السوق الصينية وأعاد تنشيط النقاش حول إمكانية عودة أفلام هوليوود إلى المنافسة، خصوصاً في فئة أفلام الأبطال الخارقين التي شهدت تراجعاً في جاذبيتها خلال السنوات الماضية.

لكن نجاح «سبايدرمان» لا يعني أن الطريق أصبح مفتوحاً أمام هوليوود. فالسوق الصينية باتت أكثر انتقائية، والجمهور لا يمنح الفيلم الأجنبي أفضلية لمجرد أنه إنتاج أميركي. ولذلك فإن نجاح «الأوديسة» سيكون مهماً، تحديداً لأنه يعتمد بدرجة كبرى على المخرج والتجربة السينمائية والحجم البصري، وليس على شخصية خارقة أو امتياز ترفيهي معروف فقط.

تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news

Share
فيسبوك تويتر لينكدين Pin Interest Whats App


إقرأ المزيد