الإمارات اليوم - 8/30/2026 10:03:10 PM - GMT (+2 )
لم يكن البحر بالنسبة لأهل الفجيرة مجرد امتداد أزرق يحيط بالمكان، ولا مورداً يذهب إليه الصياد طلباً للرزق ثم يعود منه إلى اليابسة، بل كان مدرسة مفتوحة وذاكرة جماعية، ومسرحاً لتجارب صنعت حياة أجيال كاملة، تعلمت من الريح قبل أجهزة الأرصاد، ومن حركة الموج قبل الخرائط، ومن مواسم الأسماك روزنامة خاصة لا يعرف أسرارها إلا أبناء الساحل.
وفي ذاكرة رئيس مجلس إدارة جمعية الفجيرة لصيادي الأسماك، محمود حسن سليمان آل علي، تبدأ الحكاية مبكراً، مع أب كان يصطحب ابنه في رحلات الصيد، ويترك للبحر مهمة التعليم الأولى، هناك بعيداً عن الكتب، بدأت تتشكل معرفة تقوم على المراقبة والصبر، وعلى الإصغاء إلى تغيرات الطبيعة وفهم إشاراتها.
كبر محمود آل علي وبقي البحر جزءاً أساسياً من حياته وهويته، حاملاً معه إرثاً لم يكن مكتوباً في الكتب بقدر ما كان محفوظاً في ذاكرة الرجال الذين عرفوا الساحل والرحلات الطويلة ومواسم الخير، فمن بين المشاهد القديمة التي لاتزال حاضرة في وجدانه، تبرز حكاية سمكة «الشقارة» التي يعرفها أهل البحر في الفجيرة، ويصفها الصيادون بأنها من أجود وأطيب الأنواع، غير أنها أصبحت نادرة الظهور في مياه الإمارة لسنوات طويلة، حتى بدت عودتها حدثاً يتجاوز قيمة الصيد نفسها.
وعندما تمكن آل علي من صيدها باستخدام مشد اصطناعي، حملها إلى والده، رحمه الله، الذي فوجئ وسأله: «متأكد إنها في الفجيرة؟»، وحين أكد له أنها اصطيدت في الفجيرة، جاء رد الوالد قصيراً، لكنه حمل خلاصة علاقة طويلة بين الإنسان والبحر: «الحمد لله بحرنا بخير»، ولم تكن تلك العبارة في ذاكرة الابن مجرد فرحة بظهور نوع من الأسماك، بل كانت تعبيراً عن اطمئنان جيل كامل إلى البحر الذي عاشوا منه ومعه، وخشيت قلوبهم دائماً أن يتغير أو يفقد بعض خيره.
مدرسة الآباء
ويستعيد آل علي في حواره مع «الإمارات اليوم» السنوات الأولى التي قضاها إلى جوار والده، مؤكداً أن المعرفة الحقيقية بالبحر كانت تنتقل بالممارسة ومرافقة أصحاب الخبرة، فمن خلال رحلات الصيد، تعلم كيف يتعامل مع البحر، وكيف يقرأ تغيراته، ومتى يكون الوقت مناسباً للصيد أو العودة إلى الساحل، ورغم ما وفرته الأجهزة الحديثة، يرى آل علي أن التكنولوجيا لا تلغي قيمة الخبرة، لأن البحر، في نظر أبنائه، يحتاج إلى معرفة تتجاوز النظر إلى شاشة أو متابعة نشرة جوية، إذ اختبر هذه الحقيقة بنفسه قبل أن يكمل الـ20 من العمر، حين كان في البحر برفقة اثنين من أصدقائه، وفجأة اشتدت الرياح وتحولت إلى ما يسميه أهل البحر «غربي السراية»، حيث كانت الأمواج قوية، وكان الوقت منتصف الليل، وبينما أصبح الرجوع إلى الساحل محفوفاً بالخطر، اتخذ الثلاثة قراراً بعدم العودة، وانتظروا حتى تهدأ الرياح، ومع اشتداد الظروف احتموا خلف مركب كبير حتى خفت حدة البحر، ثم عادوا إلى أهلهم مع بزوغ الفجر، لتكون تلك الليلة درساً آخر من دروس البحر في الصبر وحسن التقدير، ومعرفة اللحظة التي تصبح فيها العودة مخاطرة، ويكون الانتظار القرار الأكثر حكمة.
شركة شعبية
ويسترجع آل علي طريقة «الضغوة» التي كانت تعتمد على مشاركة أعداد كبيرة من الصيادين في عملية الصيد، موضحاً أنها كانت تضم أحياناً أكثر من 50 أو 60 شخصاً، وترتبط بها عشرات العائلات، ويشبهها بشركة بحرية شعبية يحصل أفرادها على مصدر رزقهم من البحر، في صورة تعكس مكانة الصيد في المجتمع الإماراتي، حين كان البحر أحد أعمدة الحياة الاقتصادية، ومصدراً رئيساً للغذاء والعمل.
و«الضغوة» كانت أكثر من طريقة للصيد، كانت نموذجاً للتعاون وتقاسم الجهد والرزق، وحكاية من حكايات مجتمع الساحل الذي عرف كيف يوحده البحر، كما وحدته ظروف الحياة، ومع التطور وتنوع فرص التعليم والعمل، تغيرت صورة المهنة، فاتجه كثيرون لوظائف مختلفة، لكن علاقتهم بالصيد لم تنقطع، حيث تحولت المهنة لدى قطاع عريض إلى هواية ومتعة، غير أن البحر ظل يستدعي أبناءه كلما ابتعدوا عنه، ويختصر آل علي علاقته الشخصية بهذه المهنة قائلاً: «لو عاد بي الزمن، مية مية مية راح أكون صياد».
وفي زمن لم تكن فيه أجهزة الرادار والسونار تعرف طريقها إلى القوارب، ابتكر الصياد أدواته من البيئة المحيطة به، مستفيداً من المواد المتاحة والمعرفة التي راكمتها التجربة. ومن أبرز تلك الأدوات «القراقير»، وكان الصيادون يضعون الطعم لجذب الأسماك إليها، ومن أبرز الأنواع التي يذكرها آل علي، الصال والشعري والهامور والفسكر والفرش والكوفر.
لكل موسم أنواعه
ولكل فصل في بحر الفجيرة حكاية، ولكل موسم أسماكه التي يعرفها الصيادون كما يعرف المزارع مواسم الزراعة والحصاد.
وأكد آل علي أن ساحل الفجيرة يتميز بخصوصية تساعد على استمرار مواسم الصيد طوال العام، خصوصاً مع تفاوت الأعماق البحرية التي تصل في بعض المناطق إلى 700 و800 متر.
ويرتبط الشتاء بأنواع من الأسماك الساحلية، منها العومة والسين والتنع والخباط والقباب، بينما يجلب الصيف أنواعاً أخرى مثل القباب الذراعي واليذر (أم قوس) والغزال، والماهي ماهي المعروف محلياً باسم «العم فلوس»، بينما يعد أغسطس بداية موسم الماهي ماهي، فالصياد قد يعود في رحلة واحدة بـ400 كيلوغرام، في ظل الطلب الخارجي على هذا النوع، حسب آل علي.
ولم يعد خير البحر الإماراتي يتوقف عند أسواق الساحل، بل أصبح يعبر الحدود إلى وجهات بعيدة، ويصف آل علي الأسماك الإماراتية بأنها ذات جودة عالية ومطلوبة في الأسواق العالمية، عازياً ذلك إلى نظافة البيئة البحرية والتنوع البيولوجي والموائل الطبيعية التي توفر بيئة مناسبة لنمو الأسماك وجودتها، ولفت إلى تصدير القاشع، وهو السمك الصغير المجفف، إلى الصين وسريلانكا ودول شرق آسيا، إضافة إلى تصدير أسماك الخيل والتونة، بينما يصل الماهي ماهي إلى السوق الأميركية.
وجه جديد للحكاية
لأن علاقة أبناء الإمارات بالبحر لا تتوقف عند صيد ما تمنحه الطبيعة، بدأت التجربة تتجه إلى مسارات جديدة في الإنتاج، ومع تطور قطاع الثروة السمكية، دخلت جمعية الفجيرة لصيادي الأسماك مجال الاستزراع السمكي، من خلال استحداث مزرعة للروبيان تعتمد نظام RAS، وهو أحد الأنظمة الحديثة لإعادة تدوير المياه في تربية الأحياء المائية.
وقال رئيس مجلس إدارة جمعية الفجيرة لصيادي الأسماك، محمود حسن سليمان آل علي، إن المشروع تمكن من إنتاج عشرات الأطنان، مع وجود طلب مرتفع على المنتج، معتبراً أن الاستزراع السمكي يمثل أحد المسارات المستقبلية التي يمكن أن تدعم الإنتاج وتحافظ، في الوقت نفسه، على الموارد الطبيعية.
• خير بحر الإمارات يعبر الحدود، فـ«القاشع» يُصدّر إلى الصين ودول شرق آسيا، و«الماهي ماهي» يصل إلى أميركا.
محمود آل علي:
• التكنولوجيا لا تلغي الخبرة، لأن البحر في نظر أبنائه يحتاج إلى معرفة تتجاوز النظر إلى شاشة أو متابعة نشرة جوية.
• حكايتي بدأت مع «الشقارة» التي يعرفها أهل البحر في الفجيرة، ولو عاد بي الزمن «مية مية مية راح أكون صياد».
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
إقرأ المزيد


