في افتتاح معرض أبوظبي للكتاب.. عبدالله المهيري يروي الحب والثأر بلغة الشعر
الإمارات اليوم -

في حضرة الشعر، حيث للكلمة إيقاع وللحكاية نبض، يطل «مجاز الخليل.. أسطورة الحب والبقاء» كرحلة مسرحية تستعيد ظلال الماضي بروح معاصرة، مستلهمة أشعار الخليل بن أحمد الفراهيدي، من دون أن تتحول إلى سيرة لحياته. وبين الحب والثأر، ينسج المؤلف والمخرج عبدالله المهيري عالماً مسرحياً تتداخل فيه الذاكرة بالخيال، مستعيناً بالموسيقى والاستعراض والتقنيات البصرية الحديثة، لصياغة عرض يستحضر روح الشعر العربي ويضعها في قالب أدائي جديد.

وفي العرض الخاص بافتتاح معرض أبوظبي الدولي للكتاب، يمنح المهيري مجموعة من الشباب مساحة لتقديم عمل يحمل ثقلاً فكرياً وتاريخياً، مؤكداً أن المسرح قادر على أن يجعل من التاريخ جسراً يصل الحاضر بجذوره، وأن يحوّل الشعر من نص مكتوب إلى حكاية نابضة أمام الجمهور.

وعن كواليس العرض المسرحي، تحدث المخرج والمؤلف عبدالله المهيري لـ«الإمارات اليوم»، قائلاً: «كتبت وأخرجت العمل بتكليف من معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الـ35، والعمل يعرض في ليلة افتتاح المعرض، وهو مستوحى من سيرة وأشعار الخليل بن أحمد الفراهيدي، مخترع علم العروض، ولكنه ليس سيرة ذاتية، إنما مستوحى من أشعاره التي تم العمل على تقديمها في إطار جديد ومختلف».

وأضاف المهيري: «تحمل قصة العمل الحب والثأر بين قبيلتين، أما الزمن فتعمدت ألا يكون واضحاً في العرض، ولكنه سيكون واضحاً للجمهور بأنه زمن قديم، مع الإشارة إلى أن العمل باللغة العربية الفصحى، ويتضمن بعض الأغنيات التي ستقدم مباشرة، فضلاً عن الأغنيات المسجلة».

ويلفت العرض، الذي تصل مدته إلى نصف ساعة، إلى مقاربة إخراجية تستند إلى التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الشاشات والبروجيكتر العاكس، إلى جانب توظيف الديكور بصورة تجريبية تبتعد عن الواقعية الصريحة. وبهذه المعالجة، تتحول السينوغرافيا إلى عنصر أساسي في بناء الحكاية، بحيث تتكامل عناصرها لترجمة تفاصيل الأحداث والمشاهد، بدلاً من الاكتفاء بتقديم خلفية بصرية لها.

ويمثل «مجاز الخليل» التجربة المسرحية الأولى للمهيري في المجال التاريخي، وهي تجربة وجد فيها مساحة مختلفة عن الأعمال التي قدمها سابقاً. فمنذ تلقيه تكليف العمل، شعر بالحماسة تجاه القالب الجديد، خصوصاً أنه اشتغل على مدى سنوات بصورة واسعة على الأعمال الاستعراضية الشبابية، بينما يذهب هذا العرض إلى مساحة أكثر رزانة وثقلاً من الناحية الفكرية، وتبتعد في تفاصيلها عن تجاربه السابقة.

ويؤمن المهيري بأن الفنان مطالب دائماً بالبحث عن مساحات جديدة، وعدم الاكتفاء بما اعتاده من قوالب وأساليب، وهو ما جعل هذا العمل فرصة بالنسبة إليه لاختبار شكل مختلف من المسرح، يجمع بين النص الشعري والحكاية التاريخية والاستعراض والتقنيات البصرية.

الاستعراض جزء من الحكاية

يحضر الرقص والغناء بكثافة في العرض، إلا أن الاستعراض، وفق رؤية المهيري، لا يأتي بوصفه إضافة منفصلة عن الحكاية، بل باعتباره جزءاً من البناء الدرامي. ويقول إن المشاهد الحركية تتعامل مع الاستعراض بوصفه مشهداً يحمل معنى، وليس مجرد رقص استعراضي أو تعبيري، إذ جرى توظيف الحركة لتكون جزءاً من سياق الأحداث، وتجسيد مشاهد الحب والحرب والانتقام.

وفي هذا السياق، يتكامل الأداء الحركي مع النص والموسيقى والعناصر البصرية، ليمنح الجمهور مدخلاً آخر إلى الحكاية، ويساعده على استيعاب كثافة الموضوع وتفاصيله، خصوصاً أن العمل يقوم على مادة شعرية وتاريخية تحمل أبعاداً فكرية متعددة.

وتعاون المهيري في إعداد الاستعراضات والتعبير الحركي مع زين زهير، في شراكة فنية تمتد لسنوات، ويؤكد المهيري أن استمرار التعاون بينهما يعود إلى حالة الانسجام التي تجمعهما في العمل المسرحي، وقدرتهما على تطوير اللغة الحركية بما يخدم الفكرة والمشهد.

الشباب في مواجهة التاريخ

لعل إحدى أبرز رسائل «مجاز الخليل» تتمثل في اختيار مجموعة من الشباب لتقديم عرض افتتاحي يقوم على مادة تاريخية وشعرية وفكرية، وهي مسؤولية تمنحهم، في الوقت ذاته، فرصة للوصول إلى جمهور واسع، والتعبير عن علاقتهم بالتراث والهوية والأدب العربي.

ولا يرى المهيري أن الشباب ابتعدوا عن التاريخ أو الهوية، بل يؤكد تمسكهم بهذه العناصر، معتبراً أن منحهم المساحة المناسبة للتعبير عنها يمكن أن يفتح أمامهم مجالات أوسع للإبداع، ويقدم هذه الموضوعات من خلال لغة معاصرة قادرة على مخاطبة الجمهور الجديد.

أما جمهور العرض في معرض الكتاب، فيختلف، بحسب المهيري، عن جمهور المهرجانات المسرحية، إذ إن طبيعة المكان تستقطب جمهوراً يتمتع بخلفيات روائية وأدبية، إلى جانب كونه جمهوراً قارئاً بدرجة أكبر. ومن هذا المنطلق، يرى أن العمل يمكن أن يُستقبل كما لو كان قراءة لرواية أو كتاب، لكن بلغة المسرح وعناصره البصرية والحركية.

ويعبر المهيري عن سعادته بالمشاركة في أي فعالية تدعم المجال الثقافي، انطلاقاً من نظرته إلى الكتاب باعتباره مساحة واسعة تتجاور فيها الرواية والقصة والأسطورة والمسرحية، مؤكداً أن الاهتمام بالأدب والثقافة بصورة عامة يمثل جزءاً أساسياً من عمله واهتمامه الفني.

مواهب إماراتية

وعن اختيار فريق التمثيل، يشير المهيري إلى أن العديد من المشاركين في العمل سبق له التعاون معهم في مهرجانات عدة، إلى جانب تقديم فرصة لموهبة جديدة يعمل معها للمرة الأولى، وهو الممثل زين الأحمد، الذي يقدم شخصية مميزة ضمن أحداث العرض.

ويرى المخرج الإماراتي أن المواهب الإماراتية الجيدة موجودة في المجال المسرحي، إلا أن التحدي يتمثل، من وجهة نظره، في عدم الاستماع إلى احتياجات العاملين في هذا المجال بالشكل الكافي، وهو ما يمكن أن يحد من فرص التطوير. ويعتبر أن منح الشباب مساحة أكبر للتعبير عن أفكارهم وتجاربهم سينعكس على مستوى الإبداع، ويفتح المجال أمام تجارب مسرحية أكثر تنوعاً.

ويشارك في «مجاز الخليل.. أسطورة الحب والبقاء»، الذي كتبه وأخرجه عبدالله المهيري، كل من نساء المازمي، وياسين الدليمي، وخالد حسين، وحسين الأحمد، وزين زهير، ومحمد بن حارب، وعبدالعزيز حبيب، وعبدالله عقيل.

وتولى خالد حافظ الموسيقى وهندسة الصوت، فيما أعد زين زهير الاستعراضات والتعبير الحركي، وجاءت الأزياء بتوقيع نساء المازمي، بينما تولى زين زهير الماكياج، وحبيب الكعبي إدارة الإنتاج.


تكريم وجوائز

كُرّم المؤلف والمخرج عبدالله المهيري بعد فوزه بجائزة أفضل إخراج عن مسرحية «الهوى غرام»، خلال يوم المسرح الإماراتي الذي نُظم في الشارقة، وهو التاريخ الذي يصادف يوم ميلاد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة.

واعتبر المهيري أن مجرد ذكر اسم أي فنان في هذه المناسبة يمثل تكريماً بحد ذاته، مشيراً إلى أن الجوائز والتكريمات بالنسبة إليه وسيلة وليست غاية، فهي لحظات ممتعة وجميلة، لكنها لا تمثل الدافع الأساسي وراء عمله الفني، الذي يركز من خلاله بصورة أساسية على ترك أثر لدى الجمهور عبر الأعمال التي يقدمها.



إقرأ المزيد