الإمارات اليوم - 10/16/2026 9:14:12 AM - GMT (+2 )
أثار تصوير رجل أشقر الشعر وملتحٍ في موقع دفن صيني يعود إلى القرن الثامن الميلادي اهتمام الباحثين، بعدما كشف عن جانب من التنوع البشري الذي شهدته الصين خلال عهد أسرة تانغ، وهي فترة اتسمت بازدهار التجارة والانفتاح الثقافي واتساع الصلات بين شرق آسيا ومناطق بعيدة عبر طرق التجارة القديمة.
ويعود موقع الدفن، الذي يقع بالقرب من مدينة تاييوان في شمال الصين، إلى عام 736 ميلادية، ويضم مشاهد مصورة من الحياة اليومية، إلى جانب تماثيل بشرية وحراس جنائزيين. وتشير كتابة جنائزية إلى أن رجلاً توفي في ذلك العام عن عمر ناهز 63 عاماً، ودُفن في الموقع مع زوجته. وبين الشخصيات التي يضمها الموقع، لفت تصوير رجل ذي شعر أشقر ولحية انتباه الباحثين، وأثار تساؤلات بشأن أصوله المحتملة وصلته بشعوب آسيا الوسطى.
وتعود هذه الشواهد إلى عهد أسرة تانغ، التي حكمت الصين بين عامي 618 و907 ميلادية، وشهدت خلاله البلاد ازدهاراً ثقافياً وفنياً، إلى جانب توسع العلاقات التجارية والدبلوماسية مع مناطق متعددة من آسيا. وأسهمت هذه الروابط في انتقال السلع والأفكار والأديان والتقاليد الفنية، فضلاً عن حركة المسافرين والتجار بين المجتمعات المختلفة.
احتمال الارتباط بآسيا الوسطى
ورغم أن هوية الرجل المصوّر لا تزال غير معروفة، فإن ملامحه وملابسه دفعت بعض الباحثين إلى طرح احتمال انتمائه إلى إحدى شعوب آسيا الوسطى. ونقل موقع «لايف ساينس» عن فيكتور شيونغ، أستاذ التاريخ في جامعة ويسترن ميشيغان، الذي لم يشارك في أعمال التنقيب، أن الملامح الظاهرة والملابس قد تشير إلى أن الشخصية ذات أصول أجنبية.
ورجّح شيونغ احتمال أن يكون الرجل من السغديين، لكنه أشار إلى أن الصورة وحدها لا تكفي للجزم بهويته أو تحديد أصله على نحو قاطع. ويعكس هذا التحفظ أهمية التعامل مع التصويرات الأثرية بوصفها شواهد تحتاج إلى قرائن إضافية، مثل النقوش واللقى المصاحبة والسياق التاريخي للموقع، قبل الوصول إلى استنتاجات نهائية.
وكان السغديون من الشعوب التي عاشت في مناطق تقع اليوم ضمن أوزبكستان وطاجيكستان، واتخذت مدن مثل سمرقند مراكز مهمة لنشاطها التجاري والثقافي. وأدوا دوراً بارزاً في شبكات التجارة التي ربطت الصين ببلاد فارس والهند والإمبراطورية البيزنطية، وعملوا تجاراً ومترجمين ووسطاء ثقافيين، وأسهموا في انتقال المعارف والتقاليد بين المجتمعات التي ربطتها طرق التجارة عبر آسيا.
شواهد على عالم متصل
ويأتي احتمال ظهور شخصية من آسيا الوسطى في موقع دفن صيني منسجماً مع طبيعة العلاقات التي نشأت على امتداد طريق الحرير، الذي لم يكن طريقاً واحداً، بل شبكة من المسارات البرية والتجارية التي ربطت شرق آسيا بوسطها وغربها. ولم تقتصر حركة العبور عبر هذه المسارات على البضائع، بل شملت أيضاً الأفراد والجماعات، وما حملوه من لغات ومعتقدات وعادات وخبرات فنية.
كما أن التنوع في الملامح الجسدية بين شعوب آسيا الوسطى يجعل احتمال وجود أفراد ذوي شعر أو عيون فاتحة ضمن تلك المجتمعات أمراً ممكناً، غير أن هذه السمات وحدها لا تثبت انتماء الشخصية المصوّرة إلى مجموعة عرقية بعينها.
وتمنح المشاهد الجنائزية، بما تتضمنه من تمثيلات للأشخاص والملابس والحياة اليومية، علماء الآثار فرصة لفهم تصورات المجتمعات القديمة عن العالم المحيط بها، وعلاقاتها بالشعوب الأخرى. وفي هذه الحالة، لا تكمن أهمية الرجل الأشقر في مظهره وحده، بل في الأسئلة التي يثيرها بشأن حركة البشر والتواصل بين الثقافات في الصين خلال القرن الثامن الميلادي.
وبينما تظل هوية الشخصية مفتوحة أمام البحث، يسلط الاكتشاف الضوء على مرحلة تاريخية كانت فيها الصين جزءاً من شبكة واسعة من العلاقات العابرة للمناطق، ويقدم مثالاً على قدرة التفاصيل الفنية الصغيرة على فتح آفاق جديدة لفهم التاريخ الاجتماعي والثقافي لطريق الحرير.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
إقرأ المزيد


